فشل الانتخابات: نجاح المقاطعة الشعبية في نزع الشرعية عن التحالف الطبقي الفاسد


– موقع عدالة وتحرر

لم تتجاوز نسب الاقتراع في الانتخابات النيابية 30%. هذا يعني أن أكثر من 70% ممن يحق لهم الاقتراع قاطعوا. 70% رفضوا أن يضفوا شرعية منشودة من قبل النظام السياسي، وعبروا عن رفضهم للنهج النيوليبرالي الفاسد القائم، وعن تضررهم الشديد من الأزمة الكبرى التي تمر بها الأردن سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. المسألة واضحة وضوح الحشود التي تحتفل بفوز مرشحيها كاسرة الحظر الشامل الآن؛ لا يوجد ديمقراطية حقيقية في الأردن. وكلما برز تنظيم يمثل الناس يبطش به النظام السياسي، وما مثال نقابة المعلمين عنا ببعيد. ولأن الناس يلتفون حول من يمثلهم ويشبههم، وقفوا إلى جانب نقابة المعلمين، وباتوا يدركون أن مجلس النواب مجرد واجهة لتمرير ما تريده السلطة التنفيذية وحلفاؤها من طبقة الرأسماليين. أما المواطن فعليه أن يدفع ثمن ذلك كله صامتًا.

لقد ارتكبت الدولة اليوم جريمة كبرى في عقد الانتخابات بالتزامن مع الوضع الوبائي الكارثي الذي نمر به. ضربت صحة المواطنين وحيواتهم عرض الحائط، آملة أن تهرب من أزمتها، وتخفف من حدة الاحتقان الاجتماعي ضدها. ولتزد عدد الإصابات بكورونا، وتتضاعف الوفيات! المهم فقط هو صحة البدن السياسي، وسلامة الديمقراطية الهلامية، إضافة إلى مهمات إقليمية ربما تنتظر مجلس النواب الجديد ليمررها في تزييف صارخ لإرادة الشعب الأردني.

ورغم محاولات الدولة في زيادة نسب الاقتراع عبر دعمها غير المسبوق للانتخابات الداخلية للمناطق والعشائر، إلا أن هذا لم يجدِ نفعًا في زيادة نسب التصويت، وتسبب في نعرات اجتماعية لن تنتهي بانتهاء الانتخابات، وزادت من تفكك المجتمع وانسلاخه عن بعضه بعضًا؛ ذلك أن الذاكرة الانتخابية، في ظل الانتماءات دون الوطنية التي تعززها الدولة بسلوكياتها، لا تمحي. لكن هذه الانتخابات الداخلية المسبقة ساعدت، من ناحية أخرى، في إنجاح بعض مرشحي الإجماع، خاصة المتقاعدين العسكريين منهم إذ يزيد عددهم في مجلس النواب الجديد عن العشرين، كما ساهم، إلى جانب المال السياسي، في إقصاء بعض الوجوه الحزبية والمنظمة سياسيًا، مثل التحالف الوطني للإصلاح الذي لم ينجح من مرشحيه سوى ثمانية من أصل اثنين وثمانين، إضافة إلى إقصاء غالبية الوجوه النيابية السابقة، حيث أن عدد النواب الذي نجحوا من الدورة الماضية بلغ 23، ومن الدورات السابقة لها 9، ليصبح بذلك مجموع الوجوه الجديدة 98.

أما قانون الانتخاب الذي يشبه قانون الصوت الواحد بالمضمون، ويختلف عنه شكليًا حسب، فقد أدى، مثل الدورة الماضية، إلى تشكيل قوائم لا يوجد بينها أي تجانس وانسجام غير الرغبة في الوصول إلى قبة البرلمان على حساب المصوتين. وغالبًا ما تتشكل القائمة من مرشح رئيس ومجموعة «حشوات» تسانده في تحقيق الحد الأدنى من عدد المرشحين. ووقت الاقتراع يوصي كل مرشح مؤازريه أن يصوتوا له دون غيره من الأعضاء. كل هذا طبعًا بلا وجود لبرنامج واضح المعالم يبين خطة القائمة فيما لو نجحت، ومن دون مشتركات سياسية وأيديولوجية بينها، وعلى حساب القوائم الحزبية والسياسية المنظمة. إضافة إلى ذلك، هناك خلل كبير في توزيع الدوائر الانتخابية بناء على كثافة السكان فيها، وهذا يفرز في بعض الدوائر مرشحين لعدد أقل من الناخبين مقارنة بدوائر غيرها، وكله بهندسة مسبقة تهدف إلى إفراز ما تريده السلطة السياسية من تمثيل.

ومع أن هذه الدورة شهدت أكبر ترشح حزبي مقارنة بالدورات الانتخابية الثلاث الأخيرة، حيث شمل هذا الترشح الأحزاب اليسارية والقومية أيضًا في عدة دوائر داخل المحافظات الكبرى، إلا أنها حققت تراجعًا كبيرًا في وصول مرشحي الأحزاب. لقد تخاذلت أغلبها وشاركت خوفًا من بطش السلطة بها، فالأخيرة يهمها أن تحافظ على صورتها في المحافل الدولية وأمام الجهات الممولة للقروض والمنح. غير أنهم، أي الحزبيون، لاقوا خسارة فادحة، نظرًا لأنهم غير ممتدين في المجتمع لأسباب ذاتية، ولأسباب أخرى تتعلق بتضييق النظام عليهم وشيطنتهم عبر عقود، إضافة إلى القتل المتعمد للحياة السياسية الذي تمارسه الدولة يوميًا تحت أشعة الشمس. كانت مشاركتهم مجرد إسباغ شرعية على نظام يسير عاريًا في الشارع، فترفضه الجماهير فيما تصفق له الأحزاب المعارضة قبل الموالية والمحايدة!

خلاصة القول، لا ديمقراطية حقيقية إن لم ترتكز على توزيع القوة والثروة في المجتمع. هو سلاح ذو حدين يتعلق أولًا بإعادة هيكلة الاقتصاد ليصبح اقتصادًا منتجًا، مولدًا للدخل والوظائف، ومقلصًا للفروقات الطبقية بين أبناء المجتمع. فيما يتعلق ثانيًا، بتقوية المجتمع سياسيًا عبر تعزيز دور النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وعدم التضييق عليها أو محاربتها، وبما يؤدي إلى أن يحكم الناس أنفسهم ويحتكموا لبعضهم بعضًا. كل هذا مع ضرورة تعديل قانون الانتخاب بحيث يصبح الأردن من شماله إلى جنوبه دائرة انتخابية واحدة حسب، ولا يسمح إلا للقوائم الحزبية والسياسية المنظمة بالترشح، وبشرط أن يفرز المجلس حكومة برلمانية وطنية، لا مسقطة علينا بالباراشوت. علاوة على ذلك، ينبغي أن تترجم فئة المقاطعين خيارها على الأرض في الفترة القادمة. فنحن نمر في أزمة اقتصادية خانقة ستزيد من نسب البطالة والفقر، المرتفعة أصلًا. ولدينا محاولات لتنفيذ بنود صفقة القرن، يبرز آخرها المتعلق بمد سكة حديد بين العقبة وعمان، ليمتد الخط لاحقًا إلى حيفا. هذه الأزمة السياسية والاقتصادية المركبة لن يواجهها مجلس واهن مستكين يسيطر عليه أصحاب الشركات والمال السياسي، ومن يبحثون عن مصالحهم الشخصية الخاصة ويحصّلون، حفاظًا عليها، فتاتًا من الخدمات لناخبيهم (هي حق لهم بدون وساطات) لقاءَ تمرير القرارات المصيرية الكبرى، بل تواجهها الفئات والقوى الشعبية التي لا ترضى بالذل والهوان، وتبحث عن حياة كريمة وإرادة سياسية تصنع لنا ذاتًا وكيانًا، وترفض أن يكون الأردن بوابة للتطبيع مع الكيان الصهيوني وربطه بالمحيط العربي، بل بوابة ليطبق المحيط من كافة جهاته على هذا الكيان الاستعماري الإحلالي الطارئ.

عن عدالة وتحرر

نحو عدالة اجتماعية وتحرر وطني

شاهد أيضاً

أنتونيو غرامشي

– موقع عدالة وتحرر مقال المؤرخ الأمريكي بول لي بلان على موقع Rebelnews: يواصل بول لي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *