الحراك النسوي في الأردن: إلى أين

– محمد

مقدمة

ما حفزني لكتابة هذه المادة أمران: الأول هو أسئلة جلها غاضب وبعضها  اتهامي وجهت للعديد من المنخرطين في الشأن العام والمحسوبين على تيارات تقدمية حيال عدم المشاركة في احتجاجات خرجت إثر حالات عنف ضد النساء في الأردن خصوصًا أو لعدم تبني موقف داعم للنسوية عمومًا، والأمر الثاني هو شيوع خطاب استهزائي اتهامي للنسوية بين أوساط سياسية عديدة، تفهمه وإن كنت لا تقبله في حال كان صادرًا عن اليمين المحافظ دينيًا أو اجتماعيًا، ولكنه غير مفهوم في سياق الحركات اليسارية مثلًا.  فيبرز سؤال هل هناك موقف نظري حقيقي من النسوية أو من الحراكات النسائية أم هو موقف ممن يتصدرها في الأردن، فإذا كان الموقف ممن يتصدرها وخطابهم فهل هناك أي جهد نظري أو عملي للوقوف موقف النقيض الفاعل منه بتبني القضية، وإذا كان الموقف من النسوية ذاتها فيجب أن يكون هذا التنظير ومسبباته واضحة ومفهومة ضمن الإطار الفكري لمن يتبناه، وأظنه عسيرًا بعض الشيء أن يستطيع ماركسي مثلًا أن يقف موقف الضد من كل أنواع النسوية حتى الماركسية منها.

لعلي بالبدء كنت أحاول الفهم لماذا لم أشارك أنا شخصيًا إلا مرورًا كمراقب في الاحتجاجات، فهناك فرق بين عدم المشاركة أو عدم الاتفاق مع حراك نسائي معين وبين الوقوف موقف الضد من النسوية كلها، وبجزء آخر كنت أحاول فهم نفوري من الاستهزاء المتعمد والفج من النسوية -وليس من امرأة نسوية- والذي يخفي موقفًا متكلسًا لا نكتة أرفضها من باب الصوابية السياسية.

البحث هنا ليس عن النسوية واتجاهاتها وتياراتها، ولا عن تاريخ الحركة النسوية في الأردن، بل عن الحراك النسوي في الأردن في السنوات الأخيرة، شكله الحالي وأثره وجدواه وتنظيمه وتمويله، من يتصدره ويهيمن على خطابه وأثر ذلك على تحقيق الغاية المرجوة منه. وفي وجه آخر هو محاولة للبحث لماذا قد نشارك أو نحجم عن المشاركة في القضية النسوية، هل تستحق القضية تبنيها ضمن أدبيات الحركات التقدمية بطيفها الواسع كل من موقعه الأيديولوجي، وإلى أي حد أصبح الانسحاب عمومًا من التنظير وأخذ الموقف في القضايا ذات الطابع الاجتماعي سمة لتيارات تتعامل مع العمل السياسي كاقتصاد وسياسة مجردين لا يحدثان في واقع اجتماعي يتفاعلان معه في عملية جدلية.

ما توصلت إليه كقناعة أن الانخراط في المجال العام يعني الانخراط فيه كله، بجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء كنت حزبيًا أو عضو برلمان أو نقابيًا أو ناشطًا سياسيًا، وإن عملية تجزيء الكل لا يضر فقط بما أهملته من جوانب، بل إن قراءتك ككل تصبح منقوصة إن لم تكن مغلوطة، وهو ما قد يحول من يعرف نفسه كاشتراكي إلى اقتصادوي والناشط في القضايا الاجتماعية إلى ثقافوي.

استندت المادة بالإضافة إلى بعض القراءات والمشاهدات إلى 8 حوارات[1] مع مشاركات في الحراكات النسائية في الأردن أو مهتمات بالقضية النسوية، فلهن كل الشكر على إنجاز هذه المادة، ومزيد شكرٍ للباحثة والأكاديمية في الجامعة الأردنية د. سارة عبابنة على إسهام تعليقاتها ونقدها المعمق لمسودة المادة في صدورها بشكلها النهائي.

الوضع العام للحراك النسوي في الأردن

حين بدأت بثقة توجيه سؤال عام للمشاركات حول وضع الحراك النسوي في الأردن تلقيت إجابات عامة تسلط الضوء على الحراك النسوي، وتلقيت إجابات أخرى من نوع عن أي حراك تسأل. «أولاً لا يوجد حراك نسوي في الأردن، بل هناك مجموعتان: الأولى نساء يصنفن أنفسهن كنسويات ولديهن منصات أو يدرن مؤسسات وهن غالبًا من الجيل الأكبر سنًا، والمجموعة الثانية هن من الأصغر سنًا اللواتي لديهن اهتمام بالقضايا النسوية» كما تقول عائشة العمري في مستهل الحوار معها، بينما حاولت كل من نادية شمروخ ود. سارة عبابنة ضبط الاصطلاح، إذ تريان أن تعبير حركة نسائية أو حراكات نسائية هو أقرب للواقع، فهذه الحراكات متعددة الأهداف ومختلفة المنطلقات وسياقات النشأة، عدا عن أن أي حركة لا تمتلك رؤية لدور النساء في المجتمع وتنحصر في مطالب مجزوءة للنساء لا يمكن وصفها بالنسوية، كما أن أية منظمة لا تطالب بالعدالة الاجتماعية هي قاصرة على أن تصنف كمنظمة مجتمع مدني بحسب تعبير مديرة جمعية اتحاد المرأة الأردنية نادية شمروخ.

ترى د. سارة عبابنة فيما يتعلق بانحسار الحركة النسوية أن قمع السلطة هو جزء من المشكلة فقط، بينما الجزء الأكبر هو تغير الخطاب النسوي عالميًا، فقد بدأ خطابًا نخبويًا في بدايات القرن العشرين، ثم أصبح جزءًا من خطاب التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات تزامنًا مع المد اليساري، ثم بدأ مساره الانكماشي في الثمانينيات مع سيطرة المحافظين على المجال العام، وتحول في نهاية المطاف إلى خطاب ليبرالي تنموي لا يتحدث عن حقوق المرأة بل عن مجتمعات «متخلفة» لأسباب ثقافية سواء دينية أو تتعلق بالعادات، ويرى أصحاب هذا الخطاب أنه يجب تحضير هذه المجتمعات على يد مختصين من خارج المجتمع، إذ يتم تحميل الناس مسؤولية تخلفهم ويتم حصر قضية المرأة في الخطاب التنموي والقضايا العائلية ذات الطابع الفردي، حيث أن الرجل هو القامع والعدو في عملية تجزيء للمرأة عن المجتمع ومشاكله العامة.

وتضيف د. عبابنة أن معظم القمع الحقيقي الواقع على النساء هو عنف اقتصادي عام وشامل نتيجة الفقر والبطالة وتردي البنية التحتية والخدمات العامة من تعليم وصحة ونقل وخلافها، هذا العنف الاقتصادي هو الأكثر انتشارًا وأثرًا على النساء في الأردن وليس اعتداء الأهل على أموال المرأة الذي هو موجود بلا شك، ولكنه لا يشغل نفس الحيز. فعلى أهمية قضايا العنف الأسري والقوانين والتشريعات والتمكين السياسي والعنف الاقتصادي الفردي، وهي القضايا الأربع التي تأخذ الحيز الأكبر من خطاب الحركات النسائية حاليًا، إلا أن مشاكل معظم الأردنيات هي مشاكل فقر وبطالة وصحة وتعليم عامة، وتشدد عبابنة ضرورة دراسة الحالات بشكل تقاطعي، «وهذا يعني عمليًا أن النساء أعضاء في مجتمعات مختلفة وأن احتياجاتهن وأولوياتهن لا تتشكل بناء على الجندر وحده. ولفهم تنوع احتياجات المرأة، نحتاج أيضًا إلى فهم كيفية تداخل قضايا المرأة مع الشؤون المجتمعية والوطنية الأوسع»[2].

ومن هنا يجب أن نسأل كل تلك الأسئلة المكونة للصورة والمسهمة في تشكلها، فما معنى أن يعيش إنسان ما في بيئة مفقرة، وما يعنيه أن تكون فقيرًا في الأغوار، وما الذي يتضمنه واقع امرأة أردنية فقيرة تعيش في الأغوار وتعمل في القطاع الزراعي بمبلغ دون الحد الأدنى للأجور، ودون هذا الفهم التقاطعي سوف يتسع البون بين من ينظر للحركة أو يحاول مؤازرتها وبين من هن أكثر تضررًا.

مستوى التنظيم وهل يملك الحراك نظرية

بإمكان أي مشارك أو مراقب لمس حالة الاختلاف في صفوف التحركات الخاصة بالقضايا النسائية على الأرض أو حتى بالحوارات على وسائل التواصل الاجتماعي، ويمكن فهم هذا الاختلاف بسياقات عديدة، فهذه الاختلافات قد تكون تعبيرًا عن اختلاف نظري تجاه القضية النسوية، وقد تكون على النقيض من هذا؛ أي تعبيرًا عن تخبط وارتباك في تبني النظرية التي يتحرك المجموع ضمن أطرها، وفي حالات أخرى قد تكون معبرة عن انقسام بين مؤسسات أو منظمات أو أفراد نشطين والدوائر التي تتحرك في فلك كل منها. بالطبع لا يمكنك أن تختار إجابة واحدة مما سبق فالواقع خليط من هذا وذاك، وما يسود ويغلب منها هو ما يعكس الصورة العامة. الظاهر أنه لا يوجد إطار نظري جامع لفئة كبيرة من المشاركات ولا يظهر أن النظرية تمتلك حيزًا جيدًا من التفكير لدى الكثيرين، ففي ظل سياق رافض للعنف ضد امرأة انتهى الأمر بقتلها أو اقتلاع عينيها، أنت بحاجة إلى أن تكون إنسانًا فقط لترفض هذا الأمر وأخلاقيًا لتخرج وتعبر عن هذا الرفض، ولكن إذا كانت هناك نية أبعد من التعبير عن الرفض فهذا لا يكفي. فتغيير التشريعات، وتحديد الأولويات، وبث خطاب يجب أن يسبقه فهم أعمق للحالة، وبناء تصور ليس منفصلًا بكل تأكيد عما يطرح عالميًا وعربيًا في القضية النسوية ولكنه يضع لمسته بتحليل الحالة في الأردن، ليضع خطوات عملية تجعل النسوية الأردنية معبرة عن جل النساء الأردنيات.

كان اتسام الحراك بالموسمية وعدم وجود سردية كبرى موحدة لمعظم المشاركات فيه محط اتفاق الجميع، فمع أن العديد من المشاركين والمشاركات قد يحمل فكرًا نسويًا أو يملك إطارًا نظريًا ويعتبر الحراك معبّرًا عنه، إلا أن هذه ليست هي الحالة العامة، فالأكثرية تخرج لتعبر عن غضب ورد فعل على حادثة معينة تتسم بالعنف على الأغلب، لهذا نجد الفكر النسوي بصيغته الليبرالية أو النيوليبرالية يحتل مساحة جيدة من آليات التعبير وشكله، كنوع من التلقيد لخطاب مهيمن في العالم قصدًا أو عفوًا بحسب عائشة العمري، هذا الرأي تؤكده سهر العالول وهانية برقاوي وأضافتا أن تراجع اليسار عن تصدر العديد من القضايا التي حملها تاريخيًا ومن ضمنها القضية النسوية كجزء من الطرح الكلي لخطابه هو ما أتاح المجال لسيطرة الخطاب النيوليبرالي سواء من جهة من يحمله كأيديولوجيا أو على من لم يجد غيره ليأخذه قالبًا للرفض في حادثة معينة، هذا التراجع اليساري يخدم السلطة السياسية وسلطة رأس المال عبر غياب ربط النسوية بسياقها السياسي الأعم ليقتسم الفضاء العام اليمين المحافظ والنيوليبرال، فليس ثم بدٌّ من ربط الحراك النسوي بسياقه السياسي الوطني الأعم وبكافة القضايا الوطنية.

ورغم هذا كله تؤكد برقاوي وعالول وعبابنة وشمروخ أن وجود حراك نسائي بحد ذاته، إضافة إلى تبني التيارات السياسية التقدمية للقضية النسوية في سياقاها الأعم، هو أمر ضرورة لمجابهة التحديات الإضافية التي تواجهها المرأة، وأن السعي لانتزاع إجراءات التمييز الإيجابي، وإن كانت لا تحل أصل المشكلة المركب إلا أنها ضرورة في أحيان كثيرة، لتكون خطوة باتجاه تصويب تشوه استمر لعقود أو قرون طويلة ويصعب محو أثره بدون إجراءات وتحركات كهذه.

وفي سياق دور الحراكات اليسارية ترى جود أحمد[3] أن بعض الأسباب التي قد تؤدي لإحجام اليسار الأردني حاليًا عن تبني القضايا النسوية هو تصنيف بعض حالات العنف المفرط ضد النساء كحالات فردية محدودة النطاق وإعطاؤها أولوية أقل مقارنة بمشاكل الفقر والبطالة وغيرها، وهو كذلك نوع من ردة الفعل على تصدر الـ NGOs   واجهة الخطاب النسوي والذي يتعارض مع موقف اليسار. لربما يمكن القول أيضًا إن إحجام اليسار في جزء منه آتٍ من عدم رغبته في تعزيز الصورة السائدة عنه أمام الناس بأنه مخالف للمعايير القيمية الاجتماعية للأوساط المحافظة دينيًا واجتماعيًا مما يقلل موثوقيته أمام بعض الفئات الاجتماعية التي يسعى للوصول إليها، خصوصًا في ظل الضعف وقلة المساحات الشعبية المتاحة لليسار ليتحرك فيها بخطابه كاملًا، فيرى أصحاب هذا الطرح أن تصدرهم لمواجهة مزدوجة مع النسوية الليبرالية ومع العقلية المحافظة فيه حجم جهد كان يمكن أن يبذل في قضايا تتعلق بالفقر والبطالة. ورغم أن هذا الرأي له وجاهة لحظية أحيانًا في ظل حراك معين في الشارع، إلا أنه لا يصلح أن يكون موقفًا تبني عليه خطابك الأشمل وبرنامجك الأعم على مدى طويل، بل إنك إذا كنت تملك خطابًا متكاملًا فسيسهل عليك ربط القضايا بعضها ببعض وإعطاء الأولوية المناسبة، ولكن ما يحدث في أحيان كثيرة أن يعقب تحديد الأولوية الرئيسة إعطاء قيم صفرية لباقي الأولويات، فإذا كانت الأولوية لحزب ما هي تغيير التشريعات بما يتعلق بقانون الانتخاب وقانون الأحزاب أو قانون الضريبة فهذا لا يعني أن تغييرات قانون الأحوال الشخصية يجب أن تأخذ صفرًا من حساباتك، وإن لم تكن تزنها بذات الوزن.

وفي هذا السياق تقول نادية شمروخ إن القضية النسوية لم تكن على برامج أحزاب الحركات اليسارية في الأردن غالبًا، بل إن ما حدث هو أن النساء الحزبيات تاريخيًا كن جزءًا من الحركة النسوية وفرضت تحركاتهن هذا الطابع على الأحزاب التي أتين منها، وتذهب أبعد من ذلك معتبرة أن العديد من الأحزاب لا ترى ربطًا بين القضايا السياسية والقضايا الاجتماعية بل وتحجم عن الخوض بالأخيرة كونها خارجة عن نطاق العمل السياسي بظنهم.

وعودة إلى تنظيم الحراك وموسميته ترى جود أحمد أن فكرة النزول إلى الشارع تسهم في فتح نقاش أوسع على المستوى السياسي والاجتماعي وأنه قد يكون خطوة للتنظيم لاحقًا، بينما ترى سهر العالول أن وسائل التواصل الاجتماعي وإن أسهمت في إعطاء زخم للقضية إلا أنها تزاوجت مع ظاهرة الناشط الفرد النجم الذي يبرز كلما حدثت قضية ولكن بدون أي عمل منظم أو تراكم، وتضيف بأن التراكم الذي يؤدي إلى التغيير لا يمكن أن يكون إلا بعمل مؤسسي.

النظام الأبوي والاشتباك مع السلطة

النظام الأبوي هو هيمنة الفكر الذكوري في المجتمع والسلطة، وليس محصورًا بسلطة الذكر على الأنثى بل هو أيضًا سلطة الحاكم الأبوية على المحكومين، كما تقول نادية شمروخ التي تؤكد عمل السلطة على تدجين فكرة العمل المدني عمومًا ومحاربة انخراط المنظمات بالقضايا الوطنية العامة، فالأبوية في المجتمع وأبوية السلطة يتحدان معًا في جديلة واحدة. وحرص السلطة على بقاء منظمات/اتحادات العمل النسائي تحت سيطرتها وضمن سقوفها هو ما أدى لحل الاتحاد النسائي في الأردن بضعة مرات إحداها في 1981 «والذي جاء قرار حله على خلفية تكوينه السياسي حيث أن معظم النسوة المنضمات إليه منضمات أو قريبات من أحزاب المعارضة القومية واليسارية وفروع منظمات المقاومة الفلسطينية التي شكلت نمطًا من أنماط المعارضة للحكومة الأردنية، وكذلك عضوية الاتحاد في منظمات إقليمية ودولية، ولذا ارتأت الحكومة تشكيل الاتحاد النسائي الأردني العام بإشراف وزارة التنمية الاجتماعية»[4].

 بينما تشير هانية برقاوي أن بعض من يحملن شعارات وخطابًا أكثر حدية تجاه أبوية المجتمع لا يوجد لديهن الوعي بأبوية السلطة وضرورة الاشتباك معها وليس مع صورة تخيلية عن مجتمع لديه أفكار أبوية دون ربطها بمنشأ هذه الأفكار من بنى سياسية واقتصادية وأدوات هيمنة تعليمية وإعلامية زرعت هذه الأفكار، وهو ما تؤكده العمري بأنه لا يجوز التعامل مع المشاكل المجتمعية وكأنها خلقت في فقاعة، فقيم المجتمع في نهاية المطاف هي انعكاس لقمع المجتمع والهيمنة عليه من قبل السلطة.

وتشدد ميس شنيور أنه لا يمكن فصل فكرة الاشتباك عن سياق الحركة النسوية، فالمرأة العربية التي تعيش في نظام اقتصادي رأسمالي وتتعرض لقمع السلطة العام وترزح في أحيان أخرى تحت الاحتلال المباشر -للكيان الصهيوني مثلًا- لا يمكن حصر قضيتها بمطالب نسائية دون وضعها في هذا السياق. فلا يمكن فصل الواقع السياسي عن النسوية، وتضيف نادية شمروخ أن العمل على وجود قانون انتخاب ديمقراطي ممثل أو التوقيع على بيان يتعلق بالموقف من حل نقابة المعلمين هو جزء من العمل النسوي.

المؤسسات المختصة، ومجتمع الناشطين والناشطات هل يحمي أحدًا؟

يبدو أنه لا أحد يحمي الضحايا المحتملين ابتداءً من مؤسسات الدولة، مرورًا بالمؤسسات شبه الرسمية أو المؤسسات غير الحكومية، وصولًا وبكل تأكيد إلى مجتمع الناشطين والناشطات. تقول برقاوي إن سلسلة العمل العام والعمل النسوي غير مكتملة لتحمي أحدًا، وهذا ما تؤكد عليه العالول، وتشير برقاوي إلى أن البعض يرفع وتيرة التحدي لحده الأقصى مغفلًا أنه لا يستطيع حماية الضحايا الكثر المحتملين.

الضحية المحتملة في الأردن لجرائم العنف ليس لديها من تستند إليه حقًا في أغلب الأحيان، فالخطر على النساء غالبًا ما يكون على يد أحد الأقرباء من الدرجة الأولى بدعوى حماية قيم اجتماعية معينة، ويتم بتواطؤ تشريعي أو بتغافل تنفيذي من السلطة، بحسب نسرين العلمي. وليس يمكنك لوم الضحية، لا يمكن لوم الضحية بسؤال ماذا فعلت حتى حدث لها هذا ولا يمكنك لومها بسؤال لماذا لم ترفض؟ لماذا لم تشتكِ قبلًا؟ فالسؤالان الثاني والثالث، واللذان قد يطرحهما من يصنف نفسه كتقدمي، لا يقلان سوءًا في تبنيهما للوم الضحية عن سؤال ماذا فعلت لتستحق هذا ممن في نفسه استعداد لتبرير الجرم. وتضيف سهر العالول أنه إن كانت الحماية الفعلية في الواقع الحالي غير ممكنة فعلى الأقل يجب على المؤسسات القائمة والناشطين الضغط لمساءلة من يقوم بنشر خطاب إعلامي مسيء أو يحرض على العنف ويبرره.

وتوضح ميس شنيور العاملة في جمعية اتحاد المرأة الأردنية أنه لا يوجد مأوى تابع لمؤسسة غير حكومية ليؤمن الحماية للنساء من خطر محتمل سوى مأوى اتحاد المرأة، وتضيف قائلة إنني لا يمكنني أن أحصر عملي بخطابات توعوية دون أن يكون بإمكاني حماية السيدات وتقديم المساعدة القانونية والنفسية لهن لتحصيل حقوقهن، وأن المأوى وخط الإرشاد الخاص باتحاد المرأة أسهم في حل العديد من القضايا خصوصًا في فترة كورونا حيث حكمت الظروف عدم استقبال دور الحماية الرسمية لحالات جديدة لبعض الوقت. وتشرح ميس شنيور أن مأوى الاتحاد مخصص ليتم وضع المرأة التي تطلب المساعدة فيه ريثما يحاول الاتحاد حل المشكلة القائمة إذا كان هنالك أفق لذلك. وتشير نادية شمروخ أن الاتحاد يسعى لحل القضية مع الأسرة في حالات التعنيف قبل أن تصل للجهات رسمية، فحل المشكلة مع العائلة الصغيرة هو أمر ممكن في أغلب الأحيان، ولكن في حال انكشاف المشكلة للمجتمع الأكبر من جيران وعائلة ممتدة فإن هذا يعقد القضية ويدفع نحو عنف أكبر تحت وطأة التحريض. وهنا تؤكد نادية عدم وجود إمكانية وصول للضحايا المحتلمين، وهنا يأتي دور القوانين وجهات إنفاذه التي يجب أن تتخذ مقاربة مختلفة مع قضايا العنف الأسري تؤدي إلى حل القضية وحماية المعنفة على المدى الطويل.

أسلوب الصدمة والاختزال الإعلامي

الصدمة جيدة وقد تعمل أحيانًا، أي أنه على أحدهم أن يقول لا، على أحدهم أن يقول الحقيقة، ولكن لا يجب أن يكون كل ما لديك هو الصدمة. تقول عائشة العمري إن هناك نوعًا من الشعارات الصادمة ولكنها جيدة إذ أنها تلخص الكثير كشعار«جسدي ملكي»، فالجسد في الأردن ملك للسلطة وملك للسوق الرأسمالي ثم ملك للعائلة، وهذا النوع من الفكر الذي يدعو لتحرير الجسد مصيبة بالنسبة للسلطة السياسية وسلطة رأس المال، بينما ارتأى البعض أن هناك شعارات قد تنفر وقد تحول دون استقطاب المجتمع واستغلال حالة التعاطف الجارفة المترافقة مع بعض القضايا لفرض تشريعات تحمي النساء. إلا أن نادية شمروخ ورغم رأيها بأن بعض الشعارت غير مفهومة بسياق اعتصام -فالنظام الأبوي مثلًا يواجه بسياسات لا بشعارات ويافطات- إلا أنها ترفض فرض أي نوع من الوصاية على الناشطات من جيل الشباب، خصوصًا عندما تتأخر المؤسسات القائمة عن العمل وتلتحق بقضية لم تكن أول من تبناها، فإذا كان لديك خطاب متكامل تود طرحه عليك أن تكون دائمًا أول المتحركين، فمن غير المقبول ممارسة الأبوية على المشاركين الأفراد، والطبيعي أن تفند خطابًا ما إذا كنت ضده لا أن تحارب فكرة أن يتحرك الناس من خارج الأوساط المعهودة.

وهو ما تعبر عنه علا عليوات في مقال لها بعنوان «طالعات في الأردن: من نقد العنف إلى نقد النسوية»[5]، فتشير إلى تحول الحوار من نقد العنف ضد المرأة إلى نقد ناقدات العنف. بل ويتعدى ذلك إلى الهجوم والتشكيك بالمقاصد مثلما حدث بعد ورود صور من الوقفة الاحتجاجية لطالعات الأردن.

وفيما يتعلق بالاختزال الإعلامي، أجمع العديد أن هناك اختزالًا إعلاميًا واضحًا يترافق مع كل تحرك نسوي، قلل بعضهن من أهميته وشدد بعضهن عليه. غير أن عائشة العمري تضيف بأن الموضوع أبعد من موضوع اختزال، فهو يتعلق بحرف النقاش عن القضية العامة إلى ملبس تلك، وهيئة هذا، وهتاف هنا أو هناك، ليصبح هذا الحرف موضوع التداول وتغيب القضية بين الأقدام. هذا النوع من الإلهاء والتشتيت المتعمد تتحدث عنه سهر العالول أيضًا من جانب آخر فتقول: في المرة القادمة التي سيحدث فيها أي عنف محدد وموجه ضد النساء، تابع وستجد أن هناك جهات ستنشر عن العنف ضد الرجال من قبل نساء مثلًا، وكأن الموضوع منافسة أو كأن نوع العنف وحجمه وانتشاره قابل للمقارنة.

الخطاب النسوي: هل تم احتكاره طبقيًا

تقول هانية برقاوي إن الطبقة الوسطى لأسباب متعددة هي الأشرس في الدفاع عن القضايا النسوية حتى لو كان بعضهن لا يعرفن أنفسهن كنسويات، وأن هناك كثيرات ممن يتفقن معك بالمضمون ولكنك تفقدين الخيط بينك وبينهن حين تعرفين نفسك كنسوية وكأنها وصمة. بينما تشير سهر العالول أنه في ظل نظام رأسمالي فإن الحرية الاجتماعية متاحة لمن هو في طبقة أعلى، وأن هذا سيستمر ما لم تتغير الأوضاع المادية للناس ليتاح لهم فسحة من الوقت والحرية للتنظيم، إضافة إلى أن الممول عادة يميل لإظار وإبراز من يشبهه لا تلك الجموع الأكثر تضررًا.وتؤكد هذه الفكرة ميس شنيور التي أشارت إلى أن هناك بيئات عمل نسوي لا تشبه عموم الناس ومن الصعب عليها فهم مشاكلهم الحقيقية، لذا تلجأ العاملات والعاملين فيها إلى إسقاط ما يريدون أن يرونه بالبراشوت، فهم لا يشبهون المرأة التي قتلت ولا المرأة المعنفة ولا حتى المجتمع الذي يخاطبونه، لا يشبهونه ولا يفهمونه.

وفي هذا السياق تقول علا عليوات في مقالتها «طالعات في الأردن: من نقد العنف إلى نقد النسوية»: «أنّ مشكلة الكثير من المعترضين لم تكن مع الوقفة أو مع الهتافات، بل مع النسويات أنفسهنّ، بل إنّ البعض هاجموهنّ صراحة بالتلميح إلى كونهنّ سيدات مرفّهات منفصلات عن الواقع، وهو موقف تردد من قبل في مناسبات أخرى (..) وهذا وجه آخر لتنميط النسوية إذ ينظر إليها كمنتج ليبرالي برجوازي مختص بطبقة معينة، علمًا أنّ المشاركات كنّ ينتمين إلى مختلف الطبقات الاجتماعية».

رغم صحة حدوث الاختزال بافتراض أن المشاركات هن من طبقة واحدة وهو غير صحيح، ولكن هذا لا ينفي الصحة النسبية لتصدر من هم أعلى طبقيًا الواجهةَ الإعلامية للحراكات النسائية، فشبكة العلاقات التي تملكها سيدة من طبقة عليا غالبًا ما تمكنها من الظهور في وسائل الإعلام التقليدية المختلفة عدا عن ارتباطات مع بعض مراكز صنع القرار، وإن كان لا يمكنك أن تتهم من يحمل هذا الهم كونه ابن لطبقة أعلى ولكنك أيضًا لا يمكن أن تفهم تصدّر شخصيات معينة -لا تشبه المتضررات- القضيةَ بشكل شبه احتكاري، فهذا التناقض قد يلعب دورًا سلبيًا في القضية. لنتذكر هنا أننا نتحدث عن التصدر لا المشاركة والدعم.

فمثلًا حين تم اعتقال الناشطة العمالية نبيلة الحشوش -التي كتب عمار الشقيري عن نشاطها العمالي في تقريره «نبيلة الحشوش، بين المياومة في المزارع وتنظيم العاملات والعمال»[6]– لم تهرع المنظمات والهيئات للالتفاف حولها ولا فتحت لها المنصات لتروي نضالها ورفيقاتها، فهي ببساطة لا تشبههم ولا ترتبط بشبكة علاقاتهم ودوائرهم. مثل هذا التعليق لم يغب عن ذهن بعض الناشطين العماليين حين اعتقلت، حيث تساءلوا أين اختفت المنظمات النسوية التي لم تهب لمساندتها فورًا. وربما يكون هذا إغفالًا متعمدًا أو أمرًا حدث بشكل عفوي، إذ من الممكن جدًا أن العديد من المنظمات التي تقدم نفسها كمتبنية لقضايا النساء لا تعرف نبيلة ولم تسمع بها قبلًا وربما لم تسمع باعتقالها ببساطة لأنها ليست من ضمن هذه الدوائر.

هل الإشكال قانوني وتشريعي فقط؟

تقول برقاوي إنك في سياق حقوق النساء بحاجة إلى نضالات متعددة ومتتابعة، فعليك أن تبذل جهدًا لأجل التشريع، ثم لأجل تنفيذ التشريع بشكل سليم، ثم لأجل أن يصبح التشريع محط توافق اجتماعي من خلال النفاذ إلى أدوات الهيمنة من تعليم وإعلام. وتضيف ميس شنيور أن هناك جهدًا يجب أن يبذل أيضًا لإزالة أثر التشريع القديم من عقلية جهاز إنفاذ القانون ومن البيئة الاجتماعية. بينما ترى عائشة العمري أن التشريع في الأردن، على ما فيه من اختلالات، ليس بهذا القدر من السوء إجمالًا، فحتى لو غيرت التشريع سيبقى سؤال كيف ستتعامل الناس مع مؤسسات إنفاذ القانون، المشكلة الأكبر هي بالآليات، وتؤكد أن المشاكل الهيكيلة هي أسوأ من المشاكل في التشريع بمراحل، وتطرح مثالًا على ذلك حول قضية حماية المشتكية فتقول إن هناك نساء لا يستطعن تقديم شكوى لأنهن مطلوبات على ذمة قضايا مالية صغيرة، فاشتكاؤها من عنف تتعرض له سيسبقه توقيفها على ذمة القضية المالية المرفوعة ضدها. ولكن د. سارة عبابنة تقول إن التشريع الذي تكون طريقته في حماية المرأة من عنف محتمل هو حبسها حتى يغير الشخص مصدر العنف رأيه، هو خلل في نص القانون الذي يحجز حرية المرأة ويلقي بها في السجن حتى «يعفو» المعنِّف عنها[7].

وهنا تربط نادية شمروخ الخلل التشريعي في قوانين مختلفة بعضها ببعض، بدءًا من عدم وجود قانون ديمقراطي وعصري للانتخاب، مرورًا بقانون الأحوال الشخصية، وصولًا إلى آليات التنفيذ ونواظمه، فلا يمكن أن تقرأ قانونًا معينًا في الدولة دون ربطه بسلسلة التشريعات كاملة. وتشير د. سارة عبابنة إلى أن الإحجام عن تعديل قانون الأحوال الشخصية وخصوصًا فيما يتعلق بحقوق المرأة يحمل نفسًا استشراقيًا إزاء المجتمع، وكأن المشرع في السلطة الذي أخذ من الحداثة جل قوانينها وتم فرضها على أرض الواقع يوحي بأن المجتمع عاجز عن الفهم والتقبل في هذه النقطة فقط. وتؤكد على أن جل النساء اللواتي يتحملن عبء خلل التشريعات هن من المهمشات اقتصاديًا.

نماذج مختلفة: بين «طالعات» و«صرخات أحلام»، عاملات المياومة والمعلمات

لم تشارك هانية برقاوي في «طالعات» الأردن[8]، لأن الخطاب لا يمثلها رغم اعتبارها أن العنف الوحشي غير المرتبط بالمفهوم المجتمعي «للشرف» كان من الممكن أن يكوّن قضية أردنية جامعة يبنى عليها لمواجهة هذا العنف بشكل حقيقي من كافة فئات المجتمع. تخالفها كثيرات في هذا الطرح، مشيرات إلى أنهن حتى لو اختلفن مع بعض الشعارات والخطاب فإن هذا ليس هو سبب عدم تحولها لقضية جامعة.

تقول عائشة العمري إن الفرق بين طالعات وصرخات أحلام[9] هو من حيث التنظيم، حيث تم تنظيم الأولى على يد من صنفتهن بأصحاب المنصات في مستهل حديثها بينما غلب على الثانية التنظيم من عدة مجموعات من الناشطات الشابات. وتوافقها سهر العالول في هذا الوصف، بالإضافة إلى أنه يمكن ملاحظة تضاعف العدد المشارك والمعبر عن رفضه فيما يخص قضايا تتعلق بالعنف الأسري من «طالعات» 2019 إلى «صرخات أحلام» 2020.

تؤكد د. سارة عبانبة على أنه لا يجب حصر عمل الحراكات النسائية بقضايا العنف الأسري، وترى أن حراك عاملات المياومة هو أحد الأمثلة على حراك نسائي أردني حقيقي لم يتم تسليط الضوء عليه أو معاملته كحراك لصالح النساء في الأردن، وكذلك فيما يتعلق بحراك المعلمات ضمن الحراك العام للمعلمين، وتضيف أن قيادة الحراكات يجب أن تكون من النساء المتضررات، والمنظمات يجب أن تلعب دور المؤازر لا الوصي. وهو أصلًا ما توصلت إليه عبابنة في خلاصة مقالها «دروسٌ عن تمكين المرأة نتعلمها من حركة عمال المياومة»: »إن لم تتمكن الحركة النسائية الأردنية والدولية من التعامل مع مشاكل المجتمع والإصغاء لصاحبات وأصحاب الشأن، ستظل غائبةً عن القضايا المهمة التي تواجه أغلب النساء وبالتالي ستظل مهملة من قِبل الأغلبية العظمى من النساء»[10].

مسألة التمويل: اللعب على قواعد الممول والسلطة معًا

من الممكن في هذا السياق تقسيم التمويل لثلاثة أنواع بناء على من يتلقى التمويل والجهة الممولة:
النوع الأول: هو تمويل لمؤسسة تمتلك برنامجًا وخطة عمل، ولا تقبل تمويلًا يحرفها عن هذه الخطة والبرنامج، ولا تقبل تمويلًا من جهات لا تتفق معها أخلاقيًا أو تختلف معها وطنيًا.
النوع الثاني: هو تمويل لمؤسسة تمتلك برنامجًا وخطة عمل، لكنها لا تملك شروطًا حول الجهات الممولة.
النوع الثالث: هو مؤسسة -دكان- لفرد أو بضعة أفراد يبحثون عن ممول، يتبنون أي قضية تديم التمويل ويغيرون قضاياهم وبرامجهم مع تغير الخطط الخمسية للممولين.

إن انعدام التمويل الحكومي للمؤسسات، وشح أو انعدام أي تمويل وطني، مترافقًا مع غياب الأحزاب القادرة على النهوض بعمل مؤسسي له كلفته المادية، يجعل التمويل سبيلًا -ربما وحيدًا- لبعض المؤسسات، خصوصًا تلك التي يتطلب وجودها عاملين مختصين ومقرات، حيث أصبح هذا جزءًا من أزمة مركبة، فأي عمل صغر أو كبر يسيطر على صاحبه فكرة تلقي التمويل حتى لو كان بإمكانه القيام فيه طوعًا لإيمانه بقضية ما. كذلك أصبح أفق العمل لقضايا يتطلب العمل عليها إمكانات مادية كبيرة مغلقًا بغير تمويل. تشير عبابنة إلى أن انعدام التمويل الحكومي هو ضمن سياسة نيوليبرالية تعمل على تفريغ الحيز الذي تشغله الدولة إلى أدنى حد ممكن. وتؤكد شمروخ أنك يجب أن تكون محصنًا بقوة منظمة وشعبية وتقاد من عدد كبير من المتطوعين لئلا تقع تحت رحمة الممول واشتراطاته، فالعلاقة مع الممولين لمن يريد أن يحافظ على خطابه ومبادئه ليست سلسة بتاتًا، والتمويل بحد ذاته يخل بإمكانية وصفنا مجتمعًا مدنيًا؛ ذلك أن من أهم خصائص المجتمع المدني استقلالية التمويل.

هناك سؤال مهم يجدر طرحه هنا؛ هل لديك قضية أو ملف وتبحث لها عن ممول يشبهك أو يترك لك حيزًا واسعًا في تحديد قضاياك وخطابك، أم أنك تمتلك قدرات كتابة «البروبوزل» وتبحث عن ملفات يفضلها الممولون هذه الأيام لتفتح لها دكانًا، وتتنقل لاحقًا بين القضايا بحسب انزياحات الممولين؟ ثم هل تدافع عن قضية تريد لها أن تنتهي بتحقيق شيء على أرض الواقع، أم أنك تبحث عن ملف يديم التمويل، كما تقول عائشة العمري، التي تضيف أن الحديث عن حقوق معينة يتم المحاربة لأجلها وتنتهي بانتهاء تحصيل الحق ليس أولوية لمن يبحث عن التمويل واستدامته وحسب، فالكثير من هذه المنظمات يتحدث عن الاحتياجات التي كانت وستظل موجودة، لتظل هي والقائمين عليها موجودين. ولا يمكن بحال من الأحوال التغافل عن أن وضع الجميع تحت قبضة وزارة التنمية الاجتماعية، بناء على قانون الجمعيات، يفعل فعله بممارسة الضغط والتلويح بحل كل من يخترق سقوف السلطة، حيث يحظر على الجمعيات أن تستهدف تحقيق أي عمل سياسي يدخل ضمن نطاق أعمال وأنشطة الأحزاب السياسية [11].

وفي سياق كسياقنا، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله إذا كنت تبحث عن مصدر رزق هو أن تأخذ من أي ممول وأن تعمل ضمن قواعد السلطة وسقوفها، حيث أن مؤسسات الدولة ترى لنفسها دور الميسر والمسهل لعمل سوق التنمية وللحقوق بين الممولين والمنظمات التي تتلقى التمويل ما دامت تعمل وفقًا لقواعدها. ومع الوقت ستصبح العلاقات التي شكلتها مع الممولين ومع السلطة هي تعريفك الحقيقي عما تفعله، وكل ما عدا ذلك -مثل القضية ذاتها- تفاصيل. وسينتهي بك المطاف تحت سقف السلطة، وفي ظل خطاب الممول.

وأزمة الحاجة المستمرة إلى التمويل لا يمكن تفكيكها إلا بوجود جهات تنظيمية أحزاب/ حركات/ تيارات متمكنة من تحديد قضاياها ومعالجتها ضمن سياقها الأوسع، وقادرة على توفير الكلف المادية بشكل مستقل بحكم اتساع قاعدتها الشعبية وعدد كوادرها، وهذا يفتحنا على الحديث عن قانون الأحزاب والحريات العامة في البلد ككل والتي تحول دون وجود هذا الشكل من التنظيم الممتد اجتماعيًا.

خاتمة في نقد الفعل القائم، وما العمل

نستطيع الوصول إلى خلاصة مفادها أن أشكال التنظيم المجتمعي على اختلافها، من أحزاب ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني أو حتى برلمان فاعل وممثل، والتي تحمل في صلبها إمكانية النهوض بالقضية النسوية، تم العمل على تجريفها على مدى عقود. المشكلة هي في فقدان الأداة، وما دمنا نفتقدها فسوف نفتقد أية طليعة عمل تستطيع حمل القضايا الكبرى. إن الشكل الحالي للحراكات النسائية منخفض الأثر، ومحدود الجدوى، ويفتقد للبنية التنظيمية والإطار النظري والرؤية بعيدة المدى، وإن من يتصدر جل هذه الحراكات ويهيمن على خطابها الإعلامي هو في الواقع بعيد عن واقع المتضررات ومشاكلهن، وكلما اقتربت من الناس وجوهر مشاكلهم وقعت في المحظور مع السلطة. هذا لا يعني انغلاق الأفق لإمكانية نشوء شكل مختلف للتحرك مع الوقت، ولا يعني القبول بتجزئة القضايا النسوية ذاتها داخل الحركات النسائية وحصرها في قانون بعينه -على أهمية تغيير التشريعات- لأن هذا القانون لا يكفي تغييره بحكم ضغطٍ ما فحسب، بل أن يترافق ذلك مع وصول إلى أدوات الهيمنة -من تعليم وإعلام- كي تخلق أرضية لتلقى هذه التغيرات قبولًا اجتماعيًا، فليس يمكنك أن تضع شرطيًا فوق رأس كل مواطن لتنفذ القانون، هذا ما يفعله المستعمرون، أما ما يفعله أبناء المجتمع فهو بناء الإنسان منذ الصغر على قيم العدالة والاهتمام بكل قضاياه، فقره وبطالته وكافة أشكال التمييز وانعدام الفرص التي يتعرض لها عموم الناس كادحيهم ومهمشيهم، ذكورًا وإناثًا، مع الانتباه الكامل إلى التحديات الإضافية التي تعانيها النساء ضمن مشكلة مركبة.

بإمكان حركة احتجاجية أن تضغط لتغيير قانون ما، أما حصر كل الفعل بتحركات احتجاجية موسمية فهو لن يوصل إلى أثر واسع وتغييرات بنيوية جذرية. النظام الأبوي لن يسقط بيافطة، ولن يسقط حتى لو اجتمع الملايين هاتفين ضده في ساحة ما كما يسقط رئيس دولة، فهذا نظام امتد لقرون طوال وتعاقب مع النظم المهيمنة من عبودية وإقطاع ورأسمالية، وعززته كل منها ضمن قالبها وليخدم مصالحها ويسهم ببسط سيطرتها على الإنسان. النظام الأبوي لن يسقط إلا عبر تغييرات ثورية في كافة أشكال توزيع السلطة والثروة في المجتمع وشكل العلاقات فيه.

العمل هو أن تتصدر النساء المتضررات -التي تعتبر مشاكلهن وسياق حياتهن هي الأعم بين أبناء الشعب الأردني- قيادةَ الحراكات النسائية، وأن تقبل غيرهن بدور الدعم والإسناد وإتاحة الموارد التي يملكنها لأهل القضية. والعمل ألا تترك الحركات السياسية التقدمية القضية بنزق لأن هناك من يتصدرها بخطاب نرفضه، فدورك كفاعل سياسي هو أن تنخرط. لا أقول بأن تشبك يدك بيد مع من تقف منه موقف الضد، بل أن تكون في قلب القضية من منظورك وألا تتركها لغيرك نزقًا أو كسلًا عن الفعل واستسهالًا للتوصيف بدل التغيير.

 إن أي حراك نسوي ينبغي أن يكون ضمن سياقه العام في مواجهة وجهي العملة: السلطة ورأس المال، وأدوات هيمنتهما. وأي عمل في ظل فقدان الأداة وعدم السعي لتملكها -مهما حسنت نيته وأخلص له من يعمل فيه- لن يرقى لمستوى مواجهة المشاكل الحقيقية والتصدي لمسبباتها العميقة لا الظاهرة، وإن استطاع تخفيف حدة المشكلة أحيانًا. فهذا الاختلال في شكل العلاقات المجتمعية هو معبر عن اختلال في بنية توزيع السلطة والثروة في المجتمع، وإن من تميل له الكفة هو المتنفع من إدامة الوضع القائم وسيعمل على هذا، وسيواجه بضراوة كل من يفكر في خلخلة هذه البنى، وإن الأخ الأكبر، والنظام الأبوي في السلطة وفي السوق الرأسمالي، سيلتهمنا جميعًا فرادى ومتشظين كما يريد لأننا لم نواجه كجماعات تحمل رؤية وتربط القضايا والسياقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعضها ببعض.

الهوامش

1. حوار وجاهي مع هانية برقاوي ونسرين العلمي في 12-1-2021.
حوار وجاهي مع سهر العالول في 18-1-2021.
حوار إلكتروني مع عائشة العمري في 19-1-2021.
الإجابة على مجموعة من الأسئلة كتابةً مع جود أحمد في 24-1-2021.
حوار إلكتروني مع ميس شنيور في 29-1-2021.
حوار وجاهي مع د.سارة عبابنة في 14-2-2021.
حوار إلكتروني مع نادية شمروخ في 16-2-2021.

2. Jordan Gender Barometer Survey Report, Samar Jubran, Sara Ababneh, Walid Al-Khatib, and Bayan Arori, August 2020, p.3. Link: jordan Gender Barometer survey Report.
3. اسم مستعار.
4. تاريخ الحركة النسائية الأردنية 1944-2008، د. سهير سلطي التل، ص 205-219.
5. طالعات في الأردن: من نقد العنف إلى نقد النسوية، علا عليوات، موقع جيم.
الرابط: طالعات في الأردن: من نقد العنف إلى نقد النسوية.
6. نبيلة الحشوش، بين المياومة في المزارع وتنظيم العاملات والعمال، عمار الشقيري، مجلة حبر الإلكترونية.
الرابط: نبيلة الحشوش، بين المياومة في المزارع وتنظيم العاملات والعمال.
7. لأمثلة على هذا التعسف انظر تقريرًا لمنظمة العفو الدولية بعنوان «الأردن: ضعوا حدًا لاحتجاز النساء تعسفيًا بسبب “عصيانهن” الأوصياء الذكور أو بسبب العلاقات غير المسموح بها في القانون»، أوكتوبر 2019. الرابط: الأردن: ضعوا حدًا لاحتجاز النساء تعسفيًا.
8. هو حراك احتجاجي في الأردن نشأ كرد فعل على العنف ضد المرأة في نوفمبر 2019، حيث احتج المئات بالقرب من مقر رئاسة الوزراء على الدوار الرابع. والتسمية «طالعات في الأردن» جاءت بعد ظهور «طالعات» في كل من لبنان وفلسطين. وأتى الاحتجاج عقب جريمة شنيعة انتهت باقتلاع زوج لعيني زوجته فاطمة إثر خلاف أسري في مدينة جرش.
9. هو حراك احتجاجي في الأردن شارك فيه المئات أمام مجلس النواب في تموز 2020 كرد فعل على جريمة قتل أب لابنته التي لم تجد مستجيبًا لصرخاتها وهي تركض مضرجة بالدماء في الشارع، وأفاد شهود أن أبوها قام بشرب الشاي بجانب جثتها عقب الجريمة.
10. دروس عن تمكين المرأة نتعلمها من حركة عمال المياومة، د.سارة عبابنة، ترجمة تقوى مساعدة، مجلة حبر الإلكترونية.
الرابط: دروس عن تمكين المرأة نتعلمها من حركة عمال المياومة.
11. قانون الجمعيات لسنة 2008 وتعديلاته: المادة 3/أ- لمقاصد هذا القانون: تعني كلمة (الجمعية) أي شخص اعتباري مؤلف من مجموعة من الأشخاص لا يقل عددهم عن سبعة ويتم تسجيله وفقا لأحكام هذا القانون لتقديم خدمات أو القيام بأنشطة على أساس تطوعي دون أن يستهدف جني الربح واقتسامه أو تحقيق أي منفعة لأي من أعضائه أو لأي شخص محدد بذاته أو تحقيق أي أهداف سياسية تدخل ضمن نطاق أعمال وأنشطة الأحزاب السياسية وفق أحكام التشريعات النافذة. تعني عبارة (الجمعية الخاصة) الجمعية التي تنحصر العضوية فيها بمجموعة من الأشخاص لا يقل عددهم عن ثلاثة ولا يزيد على عشرين. تعني عبارة (الجمعية المغلقة) الجمعية التـي تنحصر العضوية فيها بشخص أو أكثر، وتقتصر مواردها المالية على ما يقدمه لها أي عضو مؤسس لغايات تمكينها من تحقيق غاياتها.

عن محمد

شاهد أيضاً

أوراق بنما وتسريب موارد الشعب الأردني

– شهد الحموري (كاتبة مستقلة عن موقع عدالة وتحرر) سُرّبت وثائق بنما في نيسان 2016. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *