من وهم الحُقوق، إلى برنامج الثّورة، وأهميّة التنظيم: روزا لوكسمبورج راهنةً لمنطقتنا العربيّة اليوم

– التصميم عن جريدة الأخبار اللبنانية

– هشام البستاني (كاتب مستقل عن عدالة وتحرر)

«عندما يُمسِكُ الجسدُ البروليتاريُّ ذو المليون رأس، بكامل سلطة الدّولة في قبضته الصّلبة، مثلما يُمسكُ الإلهُ ثور مِطرقتهُ، ويسحقَ بها رأس الطّبقات الحاكمة: تلكَ، وحدها، هي الدّيمقراطيّة».
-روزا لوكسمبورج، ما الذي تُريده عُصبة سبارتاكوس؟

كان عصرُ روزا لوكسمبورج (1871-1919) عصرَ مخاضاتٍ وتحوّلاتٍ كبرى هزّت العالم وغيّرت وجهه؛ أمّا سيرتها العاصفة فلم تكن فقط سجلًّا لتلك الأحداث وتداعياتها، بل نموذجًا لما يُفترض أن يكون عليه الفرد المُسيّس، والمُفكّر المُمارس؛ إذ يخوض وُحُولها حتى عنقه، محاولًا تغييرها بكلّ قوّته، حتّى لو تكلّف الأمر أن يكون الثّمن حياته نفسها، مجترحًا، في خضمّ ذلك، الأدوات السّياسيّة المناسبة، واعيًا دوره المحدّد، وحدود وإمكانيّات هذا الدّور، لا وحده (باعتباره نبيّ الخلاص، صاحب الكرامات الرّؤيويّة)، بل من خلال أداةٍ محدّدةٍ وقادرة، سياسيّةٍ وجماعيّةٍ وديناميكيّة، هي الحزب/التّنظيم، مهمّتها دفع طبقةٍ مظلومة، مُفقرة، مُضطهَدة، مُستغَلَّة، هي البروليتاريا (الطّبقة العاملة الصّناعيّة نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين)، إلى الثّورة، فالسُّلطة.

التّفعيل: من النّظريّة، إلى ممارسة النّظريّة

«إن “طالبَ” المرءُ بشيءٍ،» تقولُ روزا لوكسمبورج، «فعلى المرءِ أن يفعلَ شيئًا ليُحقّق ذلك المطلب؛»(1) وإلا فإنّ “المطلب” سيكون فارغًا، بلا تأثير يُذكر سوى جَعْلِ «الهواءَ يرتجّ،»(2) بينما تبقى السّلطة المُهيمنة أو المُسيطرة، والأمور التي تُديرها، كما هي، ثابتةً بلا أدنى حركةٍ أو تغيير. تلك المزاوجة بين الفكر والمُمارسة، التّشخيص والفعل التّغييريّ الملائم، تحليل الواقع الموضوعيّ من أجل اشتقاق أدوات عمل، واستخدامها، تطبع كلّ ما قدّمته لوكسمبورج من مساهماتٍ فكريّة، أتت جُلّها (مثل مجمل المساهمات النّظريّة الماركسيّة الرّفيعة) ضمن سجالاتٍ مع كبار مُفكّري وسياسيّي عصرها، دون أن يسلم حتى ماركس وإنجلز نفسيهما من نقدها.

من دون الممارسة، من دون الفعل، من دون اشتقاق أدوات العمل، ومن دون إمكانيّة أن تتحوّل إلى تطبيقاتٍ عمليّةٍ أو أن تُترجم إلى وقائع، تبقى الأفكار أسيرة حيّز التأمّلات الأُمنياتيّة التي بلا أنياب، أو أشكال الاستيهامات اليوتوبيّة؛ هذا هو لبّ التّفعيل (Praxis – أي تحويل الأفكار النّظريّة إلى تطبيقات وأفعال) كما قدّمه ماركسيّون ويساريّون كثر، سعيًا منهم لإيقاف الفلسفة على قدميها بالاتجاه الذي يرد في عبارة كارل ماركس التي باتت شهيرةً جدًّا: «لقد فسّر الفلاسفة، حتى الآن، العالم بطرقٍ مختلفة، لكنّ المطلوب تغييره»(3). مثّلت روزا لوكسمبورج (الملقّبة بـ”روزا الحمراء”) هذا المفهوم خير تمثيل، إذ انصبّ نقدها لمفكّري واشتراكيّي عصرها على المدى الذي استجابت فيه أفكارهم للواقع، وإمكانيّة تحوّل هذه الأفكار إلى أدوات عملٍ حقيقيّة، ومُمكنة، وثوريّة، في آنٍ معًا.

الثّورة العمّالية على الأبواب: عالم نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين

من على بُعد زمنٍ يزيد على القرن، سينتاب القارئ اليوم شعورٌ غريب وهو يراجع أحداثًا (واستجاباتٍ للأحداث) باتت الآن بعيدةً، وصعبة التّصديق، كالحُلُم. لكنّ ذلك القارئ عليه أن ينتبه إلى أنّه يستفيد من، أو يقعُ في فخّ، القراءة البَعديّة؛ هو شخصٌ ينظر إلى ذلك الماضي من مستقبله الذي صار محتومًا ومُحدّدًا الآن، ولم يكن كذلك حينها.

لذا، ولنفهم روزا لوكسمبورج دون أن نغبنها حقّها وقيمتها، علينا أن نتذكّر أنّ عصرَها كان بداية ذروة الرّأسماليّة الصّناعيّة الحداثيّة، عصرَ العمّال الصّناعيّين وإضراباتهم الكبرى، عصرَ انتظامهم في نقاباتٍ وأحزابٍ مؤثّرة، عصرَ انتفاضاتٍ عاصفةٍ في روسيا القيصريّة العُظمى، تمكّن فيها البلاشفة نهاية الأمر من السّلطة، ليخرج الاتّحاد السّوفييتيّ إلى الوجود، عصرًا تطاحنت فيه الرّأسماليّات في حربٍ كونيّةٍ مُدمّرة تركّزت في أوربا، وتفكّكت فيها إمبراطوريّات كبرى، وطالت آثارها جميع القارّات، عصرًا كانت فيه الثّورة الاشتراكيّة قاب قوسين أو أدنى في بلد مركزيّ مثل ألمانيا، عصرًا كان وثيق الصّلة لا يزال بالثّورة الفرنسيّة البرجوازيّة (1789) وكُمْيُونة باريس الشّيوعيّة (1871)، عصرًا وُجدت فيه منظّمةٌ أمميّةٌ نشطة (الأمميّة الثّانية، 1889-1916) تجتمع فيها كثرةٌ من الأحزاب الاشتراكيّة الأوربيّة وتنسّق مواقفها عالميًّا. بجملة: عصرًا كانت فيه الثّورة العمّاليّة العالميّة المُنظّمة، ونهاية الرّأسماليّة كما نعرفها اليوم، قريبةً وممكنةً مثلما لم تكُن في أيّ وقتٍ من الأوقات قبلها أو بعدها.

موتان مُتعارضان: بين انتحار شتيفان زفايغ واغتيال روزا لوكسمبورج

ولنفهم روزا لوكسمبورج جيّدًا، سيكون من المفيد أن نُقابلها بنموذجٍ آخر، من الحقبة نفسها، يقع على النّقيض من خياراتها: شتيفان زفايغ (1881–1942)، الكاتب والقاصّ والنّاقد المولود في فيينا التي كانت حينها عاصمة الإمبراطوريّة النّمساويّة-الهنجاريّة، بينما كان هو نموذجًا لنخبة الطّبقة الوسطى المتعلّمة الرّاقية فيها، ومفكّرها المعجون بالأدب والموسيقى والأوبرا والصّحافة والسّجالات الثّقافيّة، غير المهتمّ فعليًّا بالسّياسة، إلى أن بدأ عالمه المُرفّه، الذي حقّق فيه مكانةً رفيعةً وبارزة، بالتّداعي شيئًا فشيئًا وصولًا إلى الضّربة الحاسمة: الحرب العالميّة الأولى، وبعدها القاضية: صعود النّازيّة والفاشيّة في عالم ماضيه الذي لم يبقَ منه، فعليًّا، أيّ شيء.

في خياراته السّياسيّة التي جاءت متأخّرة، انحاز زفايغ (كما هي تقاليد الطّبقة الوسطى التي ينتمي إليها ويُعبّر عنها) إلى محاولات التّسوية وإحلال السّلام القائمين على روحٍ أوربيّة جامعة، شيءٌ أقرب إلى “الأمنيات الجميلة” في وقتٍ كانت فيه طبول الحرب تقرع بصخب، والتّناقضات بين مصالح وطموحات دول أوربا الرّأسماليّة على أشدّها. ازداد اغتراب زفايغ عن ذلك “العالم” (الأوروبيّ طبعًا) الذي خَفَتَ فيه نجمه واختفى ذكره بصعود النّازيّة (وهو اليهوديّ العلمانيّ المُتوطِّن)، وصعود خيارات الحرب واستقطاباتها القوميّة (وهو داعية السّلام، الأوروبيّ النّزعة)، لينتهي به الأمر، بعد رحلةٍ مرّ فيها ببريطانيا والولايات المتّحدة، في البرازيل، خاتمًا حياته بكتابة حسرته على ذلك الماضي في كتابٍ من أجمل الأعمال الأدبيّة في السّيرة هو: عالم الأمس: مذكّرات أوروبيّ(4). بعد يومٍ واحدٍ من دفع مخطوط ذلك الكتاب إلى ناشره، أقدم زفايغ وزوجته على الانتحار.

ما بين الختام المأساويّ لشتيفان زفايغ وزوجته مُنتحرَيْن، والختام المأساويّ لروزا لوكسمبورج ورفيقها كارل لِيبْكْنِشْتْ مقتولين على يد مرتزقة “الفْرَايْكور”٭، مسافةٌ شاسعة، معكوسة، من التّعامل مع العالم الواقعيّ. عاش زفايغ في فُقّاعة طبقته، في مساحةٍ مُعقّمةٍ من السّياسة، دون أن يرى ما بعدها وما حولها، ثمّ، وبعد أن جرف سيلُ الأحداث الكبرى العالمَ المُعتاد لبرجوازيّة نهاية القرن التّاسع عشر، انسحب زفايغ وزوجته إلى ماضٍ كان قد ذهبَ ولن يعود، مُجترًّا ذلك الماضي باعتباره حالةً مثاليّةً، تعويضيّةً، عن حاضرٍ بائسٍ يعجز المرءُ عن التّعامل معه وفهمه والتّأثير فيه، وحالةً تَحسُّريّةً-أُمنياتيّةً يندُبُ فيها وضعه، لعلّ سحرًا ما يُعيد ذلك الماضي إلى الوجود. تعلَّق زفايغ بالماضي تعلُّق الغريق بالقشّة التي لا تمنع عنه الغرق، فغرق، رويدًا رويدًا، وذوى مُهمَلًا في زاوية مُهمَلةٍ من العالم.

أمّا روزا لوكسمبورج، فألقت بنفسها في خضمّ الأحداث، فاتحةً عينيها جيّدًا على الحاضر، وعلى الفواعل السّياسيّة فيه، على تحوّلات كلّ الطّبقات، ومجريات الأمور في كلّ البلدان الأوربيّة من روسيا إلى إنجلترا. لم تنسحب لوكسمبورج إلى داخل ذاتها، بل اختارت أن تصهر نفسها في الطّبقة الثّوريّة لذلك الزّمان، الطّبقة العاملة، وأن تكون جزءًا من الأداة السّياسيّة التي يُمكن لها، من نقطة الحاضر، أن تؤثّر في المستقبل، فكانت قياديّة فاعلةً وأساسيّةً في حزب الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة الألمانيّ، وبعدها أسّست، مع لِيبْكْنِشْتْ، عصبة سبارتاكوس–الحزب الشّيوعيّ الألمانيّ، أحد أكثر الأحزاب ديناميكيّة وراديكاليّة في ذلك الزّمان، في محاولةٍ للإطاحة بالرّأسماليّة في قلب أوروبّا الصّناعيّة.

ما بين انتحار زفايغ ومقتل لوكسمبورج لحظةٌ متّصلةٌ-منفصلةٌ في الحاضر، واحدةٌ تشدّ إلى الخلف، إلى اليوتوبيا، إلى الانسحاب، إلى الأمنيات، إلى التّعويض؛ وأخرى تدفع إلى الأمام، إلى التّغيير، إلى التّأثير، إلى الثّورة؛ واحدةٌ تعتزل التّاريخ وتحوّلاته لتتقوقع في ماضيه، وأخرى تشتبك معه وتتعارك وتتطاحن مع تحوّلاته؛ واحدةٌ انتهت بأن أخذ فيها زفايغ حياته بيده من الحسرة واليأس، وأخرى أخذت فيها قوى “الوضع القائم”، قوى الرّأسماليّة، حياة لوكسمبورج، لتدرأ عن نفسها الخطر الذي مثّلته أفكار لوكسمبورج وتطبيقاتها. طبعًا، شتّان ما بين الموتين.

سأعرّج تاليًا على مجموعة من مساهمات روزا لوكسمبورج الفكريّة الهامّة، التي ما تزال راهنةً وضروريّةً اليوم، مُشخّصًا من خلالها، وبعين ناقدةٍ متفاعلة، مجموعة من المقولات التي قدّمتها لوكسمبورج، لأشتقّ منها بعض تطبيقاتٍ يمكن أن نستفيد منها في عالم اليوم، خصوصًا في سياق الكيانات الوظيفيّة العربيّة ومجموعاتها الحاكمة.

أوهام الدّيمقراطيّة: ديكتاتوريّة الرّأسماليّة المُغلّفة بسُكّر “الحقوق” اللّيبراليّة

«إن تبعيّة أو استقلال الدّول الموطنيّة يتحدّدان لا من خلال تصويت الأغلبيّة في أشكال التّمثيل البرلمانيّ،» تكتب لوكسمبورج، «بل بتطوّرها الاجتماعي-الاقتصاديّ، بالمصالح الطّبقيّة الماديّة، أما بالنّسبة للشؤون الخارجيّة، فيتحدّدان بالحرب».(5)

لا يرفع التّصويتُ في انتخابات عامّة أو يخفّض من مصائر المجموعات الاجتماعيّة أو الكيانات السياسيّة إلا بالمقدار الذي يُترجم على شكل قدرةٍ وقوّة. تُقدّم لوكسمبورج دليلها استنادًا إلى المثال الأقرب إلى قلبها، بولندا: «إن الشّعب البولنديّ يمكنه الوصول إلى “حقّ” تقرير مصيره فقط عندما يمتلك القدرة الفعليّة، والقوّة الضّروريّة، لتحقيقها. عندها سيتمكّن من تقرير المصير لا على قاعدة “حقوقه”، بل على قاعدة قوّته».

خطاب الحقوق مُصمّم فقط لرجّ الهواء، لا لرجّ أساسات نظام الاستغلال وإسقاطه، وهو ما سيقود لوكسمبورج لسؤال مهمٍّ ومركزيٍّ آخر: من، وما، هو “الشّعب”؟ هل هو كتلة موحّدة؟ هل يتحرّك معًا ومن أجل الأهداف نفسها؟ «قد يكون للـ”شعب” “حقّ” تقرير المصير،» تقول لوكسمبورج، «لكن ما هو هذا “الشّعب”؟ ومن ذا الذي يملك السّلطة و”الحقّ” بالحديث باسم “الشّعب” والتّعبير عن إرادته؟ كيف يُمكننا أن نعرف ما الذي يريده “الشّعب” حقًّا؟».(6)

ذكرنا سابقًا أن “الشّعب” ليس، ولا يمكن أن يكون، كلًّا متجانسًا، بل هو مجموعة من النّاس ذوي مصالح متعارضةٍ ومتناقضة، يقف على رأسها الاستغلال الذي يقسمهم إلى جزئين واضحين: أقليّةٌ ضئيلةٌ مُستغِلّة، مرفّهة، ثريّة، قامعة، مُهيمنة أو مُسيطرة، رأسماليّة صاحبة سُلطة، أو كمبرادوريّة تابعة، تحكم الدّول الموطنيّة والكيانات الوظيفيّة باسم الجزء الثّاني، الأكثريّة المُستغَلَّة، الكادحة، الفقيرة، المقموعة، المضطَهدة، المُهيمَن أو المُتسلَّط عليها، والتي لن تملك أبدًا إمكانيّات التّغيير داخل سياق الرّأسماليّة. حين تكون الثّروة والقوّة والسّلطة مترادفات، كما هو في الرّأسماليّة وتعبيراتها السّياسيّة (دولها وكياناتها الوظيفيّة)، تكون المساواة كذبةً كبرى، وتظلّ محشورةً في خطابٍ كلاميّ، “حقوقٍ” مُتخيّلةٍ لا أثر لها في الواقع، بينما يستمرّ الواقع الفاقع التّمييز بالبقاء والتّفاقُم.

لهذا فإن روزا لوكسمبورج ليست معنيّة أبدًا بـ”إرادة الأغلبيّة”، هذا وهمٌ تحكُمُ من خلاله البرجوازيّة وتتحدّث باسمه. «لا تدّعي الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة أنّها تجسيدٌ لإرادة الأغلبيّة. إنّها تُعبّر فقط عن إرادة ووعي القسم الأكثر وعيًا وتقدّمًا من البروليتاريا الصّناعيّة المدينيّة (…) إن “إرادة الشّعب/الأمّة” أو “إرادة الأغلبيّة” ليست وثنًا تركع أمامه الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة بخنوع، بالعكس، إن المهمّة التّاريخيّة للدّيمقراطيّة الاجتماعيّة تقوم على تثوير وتشكيل إرادة “الشّعب”، أي أغلبيّته من الطّبقة العاملة».(7)

بالنّسبة لروزا لوكسمبورج، “الشّعب” هو لا شيء آخر سوى جموع المُضطهَدين، و”إرادة الشّعب” هي تخلُّصُهم من الاضطهاد والاستغلال وتحقيق المساواة التّامة عبر الصّراع الطّبقي الذي يرمي إلى تصفية مصدر الاضطهاد والتّمييز واللّامساواة: الرّأسماليّة نفسها. «إن مهمّة الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة هي ليست تحقيق حقّ تقرير المصير للشّعوب، بل تحقيق حقّ تقرير المصير للبروليتاريا، للطّبقة العاملة المُستغَلّة والمقموعة».(8)

بهذا الشّكل الواضح والمباشر، تتحوّل “الحقوق” من خطاب دعائيّ برجوازيّ، إلى برنامج عمل سياسيّ بروليتاريّ، من ميتافيزيقا، إلى تعبيراتٍ ماديّةٍ سياسيّةٍ-اقتصاديّةٍ-اجتماعيّةٍ واضحة، من تطلّعاتٍ وأحلامٍ ومطالب، إلى برنامج عمل. المساواة لا تتجزّأ، فلا معنى للمساواة الثّقافيّة أو العقائديّة أو الإثنيّة أو السّياسيّة أو مساواة النّوع الاجتماعيّ، دون أن تتحقّق أيضًا المساواة الاقتصاديّة. والمساواة الاقتصاديّة لا معنى لها كشعار، كمطالبة، دون أن يتمّ العمل من أجل تحقيقها فعليًّا بتصفية سبب انعدامها، أي الرّأسماليّة التي تصنع الأزمات والتّفاوت وغنى الأقليّة الفاحش وفقر الأغلبيّة المُدقع. أيضًا: من دون أداة، ليس ثمّة إمكانيّة للعمل، والأداة تتحقّق من خلال التّنظيم الثّوريّ الذي يرفع الوعيّ الطّبقيّ لعموم المُضطهَدين، فينتظمون في طبقةٍ ثوريّةٍ تقوم هي بالثّورة وتقودها.

هذا هو اللبّ المركزيّ لتنظيم عصبة سبارتاكوس–الحزب الشّيوعيّ الألمانيّ الذي قادته روزا لوكسمبورج إلى جوار كارل لِيبْكْنِشْتْ، وصاغت أفكاره الأساسيّة في كُرّاس: ما الذي تُريده عُصبة سبارتاكوس؟(9) وفي كلمتها العاصفة أمام المؤتمر التّأسيسيّ للعصبة-الحزب(10) والتي ألقتها يوم 31 كانون الأوّل عام 1918، قبل خمسة عشر يومًا من اغتيالها.

«إنّ تحرّر الطّبقة العاملة يجب أن يكون من فعل الطّبقة العاملة نفسها،» يقول الكرّاس، مُتابعًا: «عصبة سبارتاكوس ليست حزبًا يريد الصّعود إلى السّلطة من فوق أكتاف العمّال أو من خلالهم. عصبة سبارتاكوس هي فقط الجزء الأكثر وعيًا وقوّةَ إرادةٍ من البروليتاريا، والتي تُلفت انتباه الكتلة الواسعة للطّبقة العاملة، طوال الوقت، وفي كلّ خطوة، نحو مهمّتها التاريخيّة».(11)

في كلمتها المذكورة، والتي قوبلت في نهايتها بعاصفةٍ من التّصفيق والهتاف، أعلنت لوكسمبورج: «لم ولن تتحقّق الاشتراكيّة من خلال الفرمانات، ولا يمكن تأسيسها من قبل حكومات، مهما كانت هذه الأخيرة اشتراكيّة. يجب أن تُخلق الاشتراكيّة من قبل الجماهير (…) في كلّ مصنع، من قبل كلّ بروليتاريّ في مواجهة مُوظِّفه (…) حيثما تتشكّل قيود الرّأسماليّة، هناك ينبغي كسرها. تلك وحدها هي الاشتراكيّة، وهكذا فقط يمكن أن تُخلق الاشتراكيّة». وتختم لوكسمبورج كلامها بالجملة التّالية: «هناكَ، في القاعدة، حيث يواجه صاحب العمل عبيده المأجورين؛ في القاعدة، حيث تواجِه الأدوات التنفيذيّة للحكم الطّبقيّ السّياسيّ موضوع حُكمها: الجماهير؛ هناك، خطوةً خطوة، علينا أن نستحوذ على أدوات القوّة من الحُكّام».(12)

ليس ثمّة “حزبٌ قائد” عند لوكسمبورج، الحزب الثّوريّ هو مجموعةٌ واعيةٌ للظّلم، تُشخّص القائمين عليه، وتشخّص المُتضرّرين منه، وتدفع جموع المتضرّرين إلى الحركة، الفعل، الثّورة، إلى الاستحواذ على السّلطة وتدمير الأداة السّياسيّة لحكم المُستغِلّين وسطوتهم: الدّولة البرجوازيّة، بناءً على برنامج عمل توضّحه، بالتّفصيل، وثيقة ما الذي تريده عصبة سبارتاكوس؟، ويتلخّص في: إنشاء مجالس العمّال والجنود المُنتخبة في المدن والأرياف لتستبدل كلّ الأجهزة السّياسيّة والإداريّة للدّولة، مع حق العمّال والجنود في إلغاء تفويض الشّخص المُنتخَب في أيّ وقت؛ إلغاء كلّ التّقسيمات الإداريّة وتوحيد البلاد في جسمٍ واحد يُديره مجلس مركزيّ للعمّال والجنود تنتخبهم المجالس المحليّة المُنتخبة (أي: حكم محليّ مستقلّ واسع من خلال المجالس، داخل جسد كليّ مركزيّ قويّ هو الكيان البروليتاريّ الجديد)؛ نزع سلاح الطّبقة الحاكمة ونقل السّلاح إلى مجالس العمّال والجنود؛ إنشاء محاكم لمحاسبة الطّبقة الحاكمة؛ إلغاء كلّ أشكال التّمييز في المكانة والألقاب، والمساواة الكاملة (القانونيّة والاجتماعيّة) بين الجميع (بمن في ذلك الرّجال والنّساء)؛ مُصادرة الثّروة التي تتجاوز حدًّا مُعيّنًا؛ شطب جميع الدّيون المُترتّبة على الدّولة؛ وضع جميع المصانع الكبيرة والملكيّات الزّراعيّة المتوسّطة والكبيرة تحت تصرّف مجالس العمّال والجنود المحليّة؛ وغيرها من أمور تجعل من “الثّورة” لا أمرًا تجريديًّا فاقدًا للتمظهرات الماديّة الفعليّة، بل أمرًا مُمكنًا يتشكّل داخل تعبيراتٍ سياسيّة فعليّةٍ قابلةٍ للممارسة بشكل لا ينسى التّفاصيل، لكنّه يضعها دومًا داخل الإطار الشّموليّ العام. «بالنّسبة لنا،» تقول لوكسمبورج في كلمتها أمام السّبارتاكيّين، «لا وجود لبرنامج حدٍّ أدنى أو برنامج حدٍّ أقصى؛ الاشتراكيّة هي شيءٌ واحدٌ متكامل: هذا هو الحدّ الأدنى الذي علينا أن نُحقّقه اليوم».(13)

دروسٌ للحظتنا الرّاهنة

اليوم، فكّكت الرّأسماليةُ التّنظيمَ: فكّكت نقابات العمّال، وحوّلت أحزابهم من اليسار إلى اليمين، وعولمت سوق العمل ومنعت العمّال من الانتقال من الجنوب المُنتهَك إلى شمال “الحقوق والحريّات”، قسّمت المجموع إلى أفراد منفصلين، منجزةً التفكيك النّهائي لإمكانيّات المعارضة السّياسيّة المنظّمة القادرة على تهديدها حقًّا. انتقالًا من هدف العمل الجماعيّ لاستبدال الرّأسماليّة ومصائبها، صار الأفراد يبحثون عن خلاصهم الفرديّ، الاستهلاكيّ، داخلها، وفي هذا هزيمتهم النّهائيّة: يدوس بعضهم بعضًا إذ يحاولون الوصول للـ”وعد”، للـ”حلم” الذي يبقى، نهاية الأمر، حلمًا؛ بينما تبقى الرّأسماليّة نفسها واقعًا يعيد إنتاج نفسه، بكل رذائله، بنجاح.

من الحزب والتّنظيم الثّوريّين، انتقل “النّشطاء” إلى العمل الفرديّ-الشّبكاتيّ المفتوح، التّسوويّ أو الوساطيّ، غير القادر على تشكيل تهديد حقيقيّ للوضع القائم؛ ومن المنظورات الشّموليّة التي تندرج في إطارها التّفصيلات، صارت التّفصيلات المعزولة هي هدف العمل وطموحه؛ ومن الأدوات السّياسيّة القادرة على التّغيير، صارت المطالب المنزوعة الأسنان هي شكل التّحرّك القائم والمسموح.

تبدو ملاحظات وتشخيصات روزا لوكسمبورج التي كتبتها في مطلع القرن الماضي، دقيقةً وصالحةً لمطلع القرن الحادي والعشرين؛ صالحةً للانتفاضات المغدورة في المنطقة العربيّة التي كانت ستستفيد كثيرًا من تشخيصها وتعريفها للدّولة، والسّلطة، والمجموعات الاجتماعيّة، والرّابط الطّبقيّ بين المُضطهَدين، وأدواتها السّياسيّة المُقترحة كبديلٍ عن أطر الهيمنة والسّيطرة القائمة.

وفي عالم اليوم، خصوصًا في منطقتنا العربيّة وأطراف العالم، حيث تتركّز بشكلٍ هائلٍ إفرازات ظلم الرّأسماليّة واستغلالها، تظلّ آفاق الثّورة قائمة ومفتوحة على المستقبل بتعبيراتٍ مُختلفة، لهذا، ستظلّ روزا لوكسمبورج راهنةً وضروريّة، وبرسم الاستفادة من منجزها النّظريّ والسّياسيّ.

الهوامش

٭ فيلق الحريّة، الميليشيا اليمينيّة التي استخدمتها حكومة فريدريش إيبرت الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة لسحق الثّورة الألمانيّة وانتفاضة السّبارتاكيّين التي قادها الحزب الشّيوعيّ الألمانيّ، المنشقّ عن الديمقراطيّة الاجتماعيّة، عام 1919.
(1) Rosa Luxemburg, The Polish Question at the International Congress in London (1896), in: Horace Davis (ed.), The National Question: Selected Writings By Rosa Luxemburg, Monthly Review Press, 1976، ويمكن الوصول إلى المقالة من خلال أرشيف الإنترنت الماركسيّ: https://www.marxists.org/archive/luxemburg/1896/07/polish-question.htm (تم الدخول إلى الرابط بتاريخ 2 نيسان 2020).
(2) المرجع االسابق نفسه.
(3) Karl Marx, Theses on Feuerbach (1845), in: Karl Marx and Frederick Engels, Selected Works, Volume One, Progress Publishers, 1969, pp. 13–15، ويمكن الوصول إلى المقالة من خلال أرشيف الإنترنت الماركسيّ: https://www.marxists.org/archive/marx/works/1845/theses/theses.htm (تم الدخول إلى الرابط بتاريخ 2 نيسان 2020).
(4) Stefan Zweig, The World of Yesterday: Memoirs of a European (1943), translated by Anthea Bell, Pushkin Press, 2011
(5) Rosa Luxemburg, The National Question (1909), in: Horace Davis (ed.), The National Question: Selected Writings By Rosa Luxemburg, Monthly Review Press, 1976، ويمكن الوصول إلى الكتاب من خلال أرشيف الإنترنت الماركسيّ: https://www.marxists.org/archive/luxemburg/1909/national-question/index.htm (تم الدخول إلى الرابط بتاريخ 2 نيسان 2020).
(6) المرجع السابق نفسه.
(7) نفسه.
(8) نفسه.
(9) Rosa Luxemburg, What Does the Spartacus League Want? (1918) in: Dick Howard (ed.), Selected Political Writings, Rosa Luxemburg, Monthly Review Press, 1971، ويمكن الوصول إلى الكرّاس من خلال أرشيف الإنترنت الماركسيّ: https://www.marxists.org/archive/luxemburg/1918/12/14.htm (تم الدخول إلى الرابط بتاريخ 2 نيسان 2020).
(10) Rosa Luxemburg, Our Program and the Political Situation (1918) in: Dick Howard (ed.), Selected Political Writings, Rosa Luxemburg ، مذكور سابقًا، ويمكن الوصول إلى الكلمة من خلال أرشيف الإنترنت الماركسيّ: https://www.marxists.org/archive/luxemburg/1918/12/31.htm (تم الدخول إلى الرابط بتاريخ 2 نيسان 2020).
(11) Rosa Luxemburg, What Does the Spartacus League Want?، مذكور سابقًا.
(12) Rosa Luxemburg, Our Program and the Political Situation، مذكور سابقًا.
(13) المرجع السابق نفسه.

عن عدالة وتحرر

شاهد أيضاً

أوراق بنما وتسريب موارد الشعب الأردني

– شهد الحموري (كاتبة مستقلة عن موقع عدالة وتحرر) سُرّبت وثائق بنما في نيسان 2016. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *