قانون منع الجرائم: قضاء موازٍ بلا ضوابط، ورقابة قضائية محدودة الفاعلية

كاريكاتير رأفت الخطيب

مقدمة

تعد الدساتير باعتبارها رأس الهرم التشريعي، المصدر والمرجع الأول الذي ينص على الحقوق والحريات للأفراد ويحميها، لتكون كافة التشريعات الأدنى -سواء تلك الصادرة عن السلطة التشريعية (القوانين) أو الصادرة عن السلطة التنفيذية (أنظمة وتعليمات)- ملزمة باحترام هذه الحقوق والحريات التي نص على حمايتها تشريع أعلى، وإلا فإن هذه التشريعات الأدنى تخرج من إطار المشروعية.

ومبدأ المشروعية بمفهومه العام يعني أن نصوص التشريع الأدنى لا يجوز أن تخالف التشريع الأعلى، وإلا كانت حقيقة بالإلغاء أو التعديل.

ولا يعد الدستور الأردني استثناءً في هذا المجال، فقد نص على عدد من الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، كما نص على ضرورة حمايتها، حيث إنه وباستقراء نصوص هذا الدستور نجد بأنه كان يهدف دائمًا إلى تعزيز فكرة حماية الحقوق والحريات كأصل عام، وألا يكون تقييد هذه الحقوق والحريات إلا في إطار الاستثناء المقيد في أضيق الحدود، والذي لا يجوز التوسع في تفسيره ولا القياس عليه.

وينص الدستور الأردني على أن الحرية الشخصية مصونة، وأن الاعتداء على الحقوق والحريات العامة وحرمة الحياة الخاصة للأفراد جريمة يعاقب عليها القانون (المادة 7)، كما ينص على أنه لا يقبض على أحد، ولا يحبس ولا تقيد حريته، إلا وفق أحكام القانون (المادة 8)، ولا يجوز أن يحرم المواطن من الإقامة في أي مكان، ولا أن تفرض عليه الإقامة في مكان معين ولا أن يمنع من التنقل إلا وفق أحكام القانون (المادة 9).

لم يكتف الدستور بالنص على هذه الحقوق، بل أفرد نصًا خاصًا يؤكد أن الأصل هو حماية هذه الحقوق، والاستثناء هو تقييدها، فجاء في المادة (128) أنه لا يجوز للقوانين التي تنظم الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور أن تؤثر على جوهر هذه الحقوق أو أن تمس أساسياتها، ويمثل هذا النص عاملًا غاية في الأهمية، حيث أن عبارة (إلا وفق أحكام القانون) التي تتكرر في هذه المواد، يمكن بسهولة استغلالها لتقييد هذه الحقوق والحريات حد إلغائها تقريبًا، وبالتالي جاء هذا النص ليؤكد أن التقييد هو استثناء، وأن الأصل هو صيانة هذه الحقوق وتعزيزها وحمايتها.

في هذا المجال، كثيرًا ما يثور الحديث عن قانون منع الجرائم رقم (7) لسنة 1954، والصلاحيات المعطاة بموجبه للحاكم الإداري (المحافظ أو المتصرف)، ومدى مشروعية هذه السلطات ومواءمتها لأحكام الدستور، حيث إن هذا القانون يعالج حالات الاشتباه بنية ارتكاب الجرم ويعطي صلاحيات للحاكم الإداري تمكنه من منع وقوع هذا الجرم.

لا خلاف بأن لهذا القانون أهميته في فرض الأمن والاستقرار في المجتمع الأردني طالما أنه يحافظ على فكرة تقييد الحريات باعتبارها استثناءً في أضيق الحدود تماشيًا مع الدستور، إلا أنه وكما سنرى فيما بعد تسهل نصوص هذا القانون، بعموميتها ومطاطيتها وبالصلاحيات الواسعة التي يعطيها للحاكم الإداري، الافتئات على حقوق المواطنين وحرياتهم، كما يفتح المجال واسعًا للتضييق على المعارضين السياسيين، مما يجعله من أقوى وأخطر أدوات الاستبداد في يد السلطة، باعتباره قضاءً موازيًا لا قيود تذكر على السلطة فيه، ولا حماية تذكر للمواطن فيه.

وأقرب مثال على ذلك، اعتقال عشرات الأشخاص قبل عدة أيام لاعتراضهم على اتفاق إعلان النوايا لاتفاقية الطاقة مقابل المياه بين الأردن والكيان الصهيوني، وكان منهم طلاب في الجامعات.

صلاحيات الحاكم الإداري بموجب قانون منع الجرائم

تتمثل صلاحيات الحاكم الإداري بموجب هذا القانون في إمكانيته طلب أي شخص للتحقيق نتيجة وجوده في مكان عام أو خاص في ظروف يقتنع الحاكم الإداري بأنها تدل على نية هذا الشخص ارتكاب جرم، وبعد التحقيق معه يجوز للحاكم الإداري أن يلزم هذا الشخص بتوقيع تعهد بعدم ارتكاب الجرم المشتبه فيه ارتكابه، وله أن يربط هذا التعهد بكفالة تتضمن المبلغ الذي يراه مناسبًا.

وفي حال رفض الشخص تقديم هذا التعهد، أو لم يتمكن من إحضار كفيل بالمبلغ المطلوب، أو في حال رفض الحاكم الإداري الكفيل الذي أحضره هذا الشخص، فللحاكم الإداري عندها أن يقرر توقيفه لمدة لا تتجاوز السنة، إلا أنها قابلة للتجديد بموجب قرار لاحق.

وفي حال ارتكاب الجرم، يكون للمحافظ سلطة مصادرة مبلغ الكفالة وإيداعه في خزينة الدولة.

كما للحاكم الإداري إخضاع الشخص لرقابة الشرطة والدرك لمدة لا تتجاوز سنة واحدة، وقد يتضمن هذا القرار منعه من تغيير مكان إقامته، أو منعه من مغادرة القضاء أو المدينة أو القرية التي يقيم فيها، أو منعه من مغادرة منزله بعد ساعة واحدة من غروب الشمس.

إن جميع هذه الصلاحيات قد منحت للحاكم الإداري بدون قيود تذكر، فلا حالات على سبيل الحصر يحق فيها للحاكم الإداري طلب الشخص للتحقيق، ولا حالات محددة يحق له فيها طلب التعهد أو ربط التعهد بكفالة، ولا حد أعلى لمبلغ الكفالة المطلوبة، ولا قيود على صلاحية رفض الكفيل، ولا حالات معينة يجوز فيها للحاكم الإداري سلب حرية الشخص أو تقييدها، ولا قيود تذكر على مدة هذا التقييد أو السلب، فهذا القانون في غالبه الأعم يستعمل مصطلحات مثل (في ظروف تقنع المحافظ)، وهي مصطلحات مطاطة جدًا تتيح للحاكم الإداري سلب وتقييد حرية أي شخص بطريقة لا تتمتع بها حتى السلطة القضائية من مدعين عامين وقضاة، على الرغم من أن الجهاز القضائي هو صاحب الاختصاص الأصيل في تقييد الحريات وسلبها.

ولا يقيد القضاء حرية الأفراد إلا في حالة الاشتباه بارتكاب الشخص لجرم وقع فعلًا، ومع ذلك فإن القوانين الإجرائية الجزائية قيدت صلاحية السلطة القضائية في توقيف الظنين أو المتهم على ذمة القضية، فتكون مدة التوقيف شهرًا، أو أربعة أشهر أو ربع مدة العقوبة مثلًا، في حين أن الحاكم الإداري لا يخضع لأي من هذه القيود على الرغم من أنه جهة تنفيذية لا قضائية، ولم يقع أي جرم ليحقق فيه، بل هو يبحث في نية الشخص ويفرض عليه إجراءات تعفسية تكون أقرب للعقوبة بدون جريمة.

نصوص مطاطة تمثل خروجًا عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

بالإضافة إلى مخالفتها الصريحة لمبدأ المشروعية الوارد أعلاه، فإن نصوص قانون منع الجرائم تمثل خرقًا واضحًا لمبدأ «شرعية الجرائم والعقوبات»، وهو مبدأ تعارفت عليه منظومات التشريع في مجال التجريم والعقاب في كافة أنحاء العالم، ومؤداه أن لا جريمة إلا بنص، وألا يقضى بأي عقوبة أو تدبير لم ينص القانون عليهما حين اقتراف الجريمة، وقد نصت عليه المادة (3) من قانون العقوبات الأردني.

طبقًا لهذا المبدأ، فلا عقاب على النية ما لم تترجم لأفعال تحضيرية للجريمة تمثل شروعًا فيها أو تمثل بحد ذاتها جرمًا مستقلًا، ولا عقاب بلا جريمة، ولا جريمة ما لم تحدد أركانها وعناصرها في نص واضح، ولا تطبق عقوبة ما لم ينص القانون عليها ويحددها تحديدًا دقيقًا وإن بحد أدنى وحد أعلى.

ممارسات تتجاوز حتى النصوص الفضفاضة

على الرغم من أن الصلاحيات الممنوحة للحاكم الإداري تعتبر واسعة إلى درجة يصعب معها توقع أن يتخذ أي قرار يمكن أن يعتبر مخالفة صريحة لهذا القانون، إلا أن الواقع أثبت أن ذلك ممكن، فهناك العديد من الممارسات التي يتجاوز فيها الحكام الإداريون حتى صلاحياتهم الواسعة بموجب هذا القانون، ففي بعض الحالات يتم توقيف الشخص بدون طلب التعهد المربوط بكفالة منه وبدون انتظار عدم قيامه أو عدم قدرته على تقديم هذا التعهد، فيقرر الحاكم الإداري توقيفه إداريًا مباشرة دون التسلسل في الإجراءات قانونيًا.

يحدث أيضًا أن يقوم المحافظ بتوقيف شخص في حال تقديم شخص آخر شكوى بحقه لأي سبب من الأسباب، وعادة ما تكون ضمن إطار الإضرار بمال الغير وهي جريمة يعاقب عليها القانون وتقع ضمن اختصاص القضاء النظامي، في حين أن صلاحية الحاكم الإداري بموجب هذا القانون إنما تقتصر على اتخاذ إجراءات تهدف إلى منع وقوع الجريمة، فمتى حدثت الجريمة خرجت من اختصاص الحاكم الإداري وأصبحت ضمن اخصاص القضاء بأنواعه.

يزداد الموضوع غرابة عندما يقوم الحاكم الإداري بتوقيف شخص بموجب قانون منع الجرائم لا لأنه يشتبه في نيته ارتكاب جرم، بل لأنه يشتبه في كونه معرضًا للخطر والتهديد من قبل شخص أو أشخاص آخرين، فبدل أن يقوم الحاكم الإداري بالتحقيق مع من يهددون هذا الشخص ويلزمهم بتوقيع تعهد بعدم الاعتداء عليه، يقوم بتوقيف الشخص المعرض للتهديد نفسه تحت مسمى حمايته، على الرغم من أن مسؤولية فرض الأمن والنظام على كامل إقليم الدولة وحماية المواطنين وحقوقهم وحرياتهم هي مسؤولية أجهزة الدولة بالدرجة الأولى، ولا يجوز للمواطن البريء أن يدفع ثمن تهديد شخص آخر له بتقييد أو سلب حريته دون جرم ارتكبه.

بالإضافة إلى ما سبق، يمثل ما يسمى بـ«الإعادة» أحد أهم الممارسات غير القانونية للحكام الإداريين، ويعني أن الشخص قد يتم إخلاء سبيله إما لحصوله على البراءة أو لانقضاء فترة عقوبته المقررة بموجب حكم صادر بحقه، فيقوم المحافظ باستدعائه مباشرة بعد إخلاء السبيل، ويقرر إعادة توقيفه لأي سبب من الأسباب مثل عدم قيامه بإجراء صلح عشائري مع عشيرة أخرى كما ذكر أعلاه.

رقابة قضائية غير فعالة

من حيث المبدأ تعتبر قرارات الحاكم الإداري قرارات إدارية خاضعة لرقابة المحكمة الإدارية، إلا أن هذه الرقابة تواجه العديد من المحددات التي تؤدي إلى التقليل من فعاليتها، ومنها ما يلي:
1. إن إجراءات تسجيل الدعاوى أمام المحكمة الإدارية قد تستغرق مدة طويلة تزيد على شهر، وحتى بعد قيد الدعوى وبدء النظر فيها، فإنها قد تستغرق شهورًا عديدة للبت فيها، يبقى خلالها الشخص موقوفًا، خاصة وأن صلاحية وقف تنفيذ القرار الإداري لحين البت في الدعوى هي صلاحية تقديرية للمحكمة لها استخدامها أو تركها، وبالتالي قد يكون من غير المجدي إقامة الدعوى وتحمل تكاليفها لإلغاء قرار إداري بتوقيف الشخص لمدة قد تنتهي قبل انتهاء إجراءات المحاكمة والبت في تأييد القرار الإداري أو إلغائه.

2. إن رقابة القضاء الإداري على القرارات الإدارية، إنما تنصب على أركان هذه القرارات وهي الاختصاص والشكل والمحل والسبب.
ويشكل ركنا المحل (وهو موضوع القرار الإداري، أي الأثر القانوني المترتب عليه) والسبب (وهو الحالة القانونية أو الواقعية التي تواجهها الإدارة فتتدخل على أساسها وتصدر قرارها) أحد أهم الأركان التي تمكن القضاء من بسط رقابته على القرار الإداري بشكل فعال، وحيث إن أغلب القرارات التي تعتبر ضمن صلاحيات الحاكم الإداري بموجب قانون منع الجرائم هي قرارات لم يحدد فيها القانون محل القرار تحديدًا جامعًا مانعًا يمكن القضاء من فرض رقابته، كما لم يشترط التسبيب في أغلب هذه القرارات (ما يعني فعليًا أن محل القرار الإداري ليس محددًا، وأن الإدارة ليست ملزمة بتسبيب قرارها)، فإن رقابة القضاء الإداري تقتصر على ما يسمى بـ«إساءة استعمال السلطة» وهي تعني وجود غلو جسيم واضح لا لبس فيه يخرج القرار الإداري من دائرة المشروعية ويجعله حقيقًا بالإلغاء.

وبالعودة إلى التطبيقات القضائية؛ من السهل ملاحظة صعوبة إثبات إساءة استعمال السلطة أمام القضاء الإداري، خاصة وأن أحد أهم مبادئ القضاء الإداري هي أن القرار الإداري صحيح في أصله، وبالتالي فعلى من يدعي عكس ذلك إثبات دعواه بشكل لا لبس فيه ولا شك.

يحتاج قانون منع الجرائم إلى مراجعة شاملة تضمن أن تكون نصوصه جميعها خاضعة لمبدأ المشروعية، وتزيل كافة المخالفات الدستورية المركبة فيه، ولا يكون ذلك إلا بتقليص صلاحيات الحاكم الإداري بموجب هذا القانون، خصوصًا تلك المتعلقة بتقييد وسلب حرية الأشخاص، لما تمثل هذه الصلاحيات من إمكانية لاستبداد السلطة بمعارضيها ومعاقبتهم دون جرم ودون رقابة، في نظام شبه قضائي موازٍ للقضاء النظامي لا تتوفر فيه أدنى معايير التحقيق والمحاكمة العادلة، ولا تراعى فيه أبسط مبادئ علم التجريم والعقاب.

إن الأمن بمفهومه الشامل لا يقتصر على استعمال القوة لفرض السلم المجتمعي والأمن والنظام، بل إن أغلب الاضطرابات الأمنية –إن لم يكن جميعها– إنما تعتبر عوارض لأمراض مجتمعية أعمق وأكثر تعقيدًا لا تحل بالقوة وحدها، بل تتطلب برنامجًا وطنيًا يتضمن أبعادًا اقتصادية واجتماعية تحرص الدولة فيها على تحقيق الأمن على أساس التكامل الاقتصادي المبني على توزيع للقوة والثروة بين مكونات المجتمع، وبالتوازي مع تعزيز التكتل والتنظيم على الأسس السياسية والبرامجية، لمنع تغول الانتماءات الفرعية التي تضرب الانتماء الوطني.

أما في وطن يسوده الفقر والبطالة ويهمل فيه التعليم والصحة، ولا يدخل المواطن جنته إلا من بوابة هويته الفرعية ليضمن أبسط حقوقه الدستورية، فمن الطبيعي أن تكون العلاقة بين مكوناته علاقة تنافس وتناحر على فتات السلطة، ومن الطبيعي أن نرى مجتمعًا مشوّهًا مفككًا يعاني ويستمر في المعاناة من مشاكل مركبة تزداد تعقيدًا مع مرور الوقت، وقد تبلغ حدًا لن تستطيع معه حتى القبضة الأمنية السيطرة عليها.

عن عدالة وتحرر

شاهد أيضاً

التعرفة الجديدة للكهرباء: امتهان للفقراء واستهداف للطبقة الوسطى ودعم للأغنياء

أعلنت هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن عن تعرفة جديدة للكهرباء تقلص فئات الاستهلاك المنزلي من …