التعرفة الجديدة للكهرباء: امتهان للفقراء واستهداف للطبقة الوسطى ودعم للأغنياء

أعلنت هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن عن تعرفة جديدة للكهرباء تقلص فئات الاستهلاك المنزلي من سبع إلى ثلاث فئات(1)، حيث سيتم تطبيق هذه التعرفة في النصف الأول من عام 2022. تضمن التعرفة الجديدة نظام دعم وهمي، أي أن فاتورتك ضمن استهلاك معين ستبقى كما هي ولكنك مع ذلك تصنف مدعومًا، وينحصر هذا «الدعم» بالعائلات الأردنية والعائلات التي تحمل جوازات سفر أردنية مؤقتة وأبناء قطاع غزة. وهذا بحد ذاته إشكالي، إذ يحصر الدعم بالعائلة ويستثني اللاجئين والوافدين من سكان هذا البلد، والذين هم بالأعم الأغلب فقراء أو كادحون يعملون لتوفير لقمتهم مثلهم مثل المواطن الأردني، ويدفعون ضرائب مع كل سلعة يشترونها. كما أنه يستثني المواطن الأردني الأعزب، فالطلاب الذين يدرسون في محافظات أخرى، ويسكنون بعيدًا عن عائلاتهم، عليهم أن يدفعوا بموجب الشرائح غير المدعومة، كذلك الموظفون الذين يسكنون بالقرب من مكان عملهم.

امتهان للفقراء

كان يمكن، وببساطة، أن تكون التعرفة على الكهرباء حتى 600 كيلو واط وبشكل تلقائي تحاكي التعرفة القديمة دون حاجة لتقديم طلب الدعم، ولكنها لم تكن كذلك لتذكرك بأمرين، أولًا: إن بقاء فاتورتك كما هي هو دعم ومنة وسينتهي عاجلًا أو آجلًا، ذلك أن  البنك الدولي (وهو المتخصص بـ«تنمية» القطاعات، أي بهدمها) سيشترط إلغاءه عند حلول موعد القرض القادم. وأنت مواطن صالح مثل سلطتك، وعليك أن تكون بارًا بآبائك في السلطة وبالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولا تعصي لهم أمرًا. ثانيًا: إن عليك أن تسجل لمنصة ما أو تقف على طابور ما، وأن تمارس الترقب كل مطلع عام لتتبين هلال استمرار فتات دعم سيختفي كما اختفى دعم المحروقات والخبز من قبل. ببساطة، يجب أن تستشعر فقرك وتحسه بممارسة دورية، وأن تشكر لمن يسبغ عليك منح الدعم الوهمي من ميزانية يأتى معظمها من الضرائب المفروضة على عموم الناس، ضريبة المبيعات تحديدًا.

استهداف الطبقة الوسطى

وكأي ابن للطبقة الوسطى، قد تسعى للترقي الاجتماعي وتخطط أن يكون بيتك بمساحة 150 مترًا وأن تدفئه جيدًا في الشتاء، وربما تكون وسيلة تدفئتك تعمل على الكهرباء، بل إنك قد تفكر بتركيب مكيف هواء صيفًا، وربما تمتلك سيارة تعمل على الكهرباء، وهذا خطأ. خطأ أن تمد عنقك أكثر مما قسم الله لها. لهذا، أتت التعرفة الجديدة لتعيدك إلى صوابك. أو بعبارة أخرى، لتمارس مزيدًا من الحصار على بقايا الطبقة الوسطى التي اضمحلت –بفعل فاعل لا يحضرني اسمه– عبر سنوات المحل الماضية. فإذا كان استهلاكك يصل الألف كيلو واط أو أقل قليلًا، فستدفع أكثر من فاتورتك القديمة سواء قدمت للدعم أو لم تفعل. أنت معرض بشدة لأن تكون فاتورتك «المدعومة» أعلى منها بدون دعم في حال أخطأت تقدير متوسط استهلاكك وقدمت طلبًا إلكترونيًا للدعم. إذا كنت تستهلك 600 كيلو واط في الأشهر المعتدلة جويًا و1000 كيلو واط في أشهر الحر والبرد، عليك أن تجري حسابات دقيقة لمعرفة ما إذا كان يتوجب عليك التقدم للدعم الوهمي أم تجنبه، وستعض أصابعك ندمًا مع كلا الخيارين. أنت مهني: مهندس أو محاسب أو تعمل في قطاع تكنولوجيا المعلومات غالبًا، ويجب أن تتذكر أن التدفئة والتبريد والآلات التي تستهلك الكهرباء في شقتك التي تدفع ثمنها أقساطًا للبنك هي رفاهية لعالم لا تنتمي له.

دعم الأغنياء

لا أعرف بالتحديد كيف خطرت فكرة أن تكون فاتورة من يستهلك 2000 كيلو واط أقل بمئة دينار على التعرفة الجديدة، وأقل بقرابة مئتي دينار في حال كان الاستهلاك 2500 كيلو واط، وأقل بأكثر من هذا كلما زاد الاستهلاك عن ذلك. وباستهلاك مثل هذا لن تحتاج لحسابات، ذلك أنك لن تقدم للدعم على أية حال، فالقانون وحده تكفل بدعمك بشكل حقيقي وغير محدود ومن جيب الطبقات الوسطى وعلى حساب استمرار نفس التعرفة على الأقل استهلاكًا وهم غالبًا من الفقراء. سيخرج أبناء الحقد الطبقي من كادحين ومهمشن ليحسدوك لأنك تود تدفئة مياه حمام السباحة في قصرك في دير غبار، أو فيلتك الصغيرة على مساحة دونمين في عبدون. أنت مسكين تملك أربعة ملايين دينار أو خمسة فقط. ولم تراكم ثروتك بفضل هؤلاء الحاقدين واستغلالهم، ولا بفضل قوانين ضريبة ضمنت احتكارك للثروة في المجتمع عبر عقود.

هذه الوقاحة الفجة بدعم فاتورة الأغنياء على حساب عموم الناس، لا يمكن إلا أن تكون قد نشأت في حوار عار على طرف حمام سباحة. تعرفة تنازلية، في الوقت الذي من المنطقي أن تكون تصاعدية ليدفع الحيتان ثمن رفاهيتهم. تمامًا مثل النظام الضريبي الذي يدفع فيه الفقير أكثر مما يدفع الغني من خلال ضريبة المبيعات.

خاتمة

إن صانع القرار هو الذي تسبب بأزمة طاقة مفتعلة في الأردن، فقد حول الطاقة من مجال محصور بسلطة الكهرباء وقسمه إلى شركات توليد الطاقة ونقلها وتوزيعها(2). إثر ذلك، تحملت شركة الكهرباء الوطنية مهمة النقل، وتكلفت بشراء الوقود. وقد أدى ذلك إلى تكبدها خسائر نتيجة تقلب أسعار الوقود. أما الخسائر الكبرى، فكانت من خصخصة جزء كبير من قطاعي التوليد والتوزيع. لقد وقعت هذه الشركات مع الحكومة عقودًا مجحفة تضمن لها الربح الصافي، فيما تخسر شركة الكهرباء الوطنية المملوكة للحكومة، وترفع الدين العام على الدولة الأردنية بأكثر من 7 مليار دولار.

وصانع القرار هو من ورط الأردن بصفقة الغاز المسروق مع العدو الصهيوني، راهنًا بذلك قطاع الطاقة الاستراتيجي، والسيادة الوطنية كلها من خلفه، بيد عدو مزروع في المنطقة العربية كالسرطان، ناهيك عن شراء هذا الغاز بأسعار أعلى من السعر العالمي رغم توفر البدائل. في الوقت ذاته، فإن العقود المتعددة المجحفة بنظام (Take or Pay) تمنع التوسع باستخدام الطاقة الشمسية في المنازل، فنرى الحكومة تفرض قيودًا كثيرة على ما كان يفترض أن يكون حلًا لأزمة الطاقة في الأردن. من قرر كل هذا ليس غريبًا عليه أن يعلن بصراحة أنه ومن الآن فصاعدًا سندفع جزءًا من فاتورة كهرباء منازل الأثرياء من جيوبنا الخاصة، وبموجب القانون.

الهوامش

1- https://bit.ly/3KjfyKq
https://bit.ly/3A2n482
2- https://bit.ly/3FsEg7G

عن عدالة وتحرر

شاهد أيضاً

التعديلات على الرسوم الجمركية: محاربة التنمية، وقوننة التهريب وتحويل البلد إلى سوق أجنبي

أعلن وزير المالية تخفيض الرسوم الجمركية في مؤتمر جمعه ومدير عام دائرة الجمارك يوم أمس، …