“يمنع تداول العلم والاشتراكية”!

‏- موقع عدالة وتحرر

“يمنع تداول العلم والاشتراكية في دولة غربة المستقلة”، بهذه العبارة أعلن البيك في ضيعة غربة كيف ستسير الأمور في البلاد، ‏وبهذه الطريقة سارت معظم دولنا العربية ابتداءً أو في منتصف الطريق بعد هيمنة “الإمبريالية الثلاثية” بتعبير سمير أمين، أي ‏الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان كقطب أوحد على العالم، أما اليوم، وفي ظل وباء كهذا، لا تجد أي دولة تريد النجاة إلا ‏طريقًا واحدًا هو العلم والاشتراكية. العلم للقضاء على الوباء بالمعنى التقني، والاشتراكية -وإن مجتزأة وإن مرحلية وإن خارج ‏سياقها الأعم- لتفادي المخاطر الاجتماعية والانهيارات المتوقعة للدول والمجتمعات في ظل نظريات السوق لا نظريات الإنسان. ‏اليوم يعود إلى الواجهة خيار البشرية الذي طال تأجيله: “إما الاشتراكية أو الهمجية”.

‏الكلفة الحالية والكلفة اللاحقة

هذا وضع قد يطول وإن قصر فستة أشهر، وقد لا يقل عن سنة ونصف بحسب كثير من التحليلات التي فيها شيء من منطق. العالم ‏كله مترابط، فإنتاج السلع النهائية هو جزء من عمليات أصغر وهي إنتاج الأجزاء في دول مختلفة، وهذه وتلك جزء من توافر المواد ‏الخام التي لا يوجد دولة تملكها كلها بلا استثناء مع تكنولوجيا معالجتها.

الكلفة الحالية للتعامل مع الأزمة ستكون عالية، وستزداد الكلفة كلما امتد زمن الأزمة. من سيمول هذه الكلفة؛ صناديق ضمان الناس ‏التي ستفلس أو على الأقل ستتأثر تأثرًا كبيرًا بفعل الأزمة إن كان القرار بتأمين حاجات الناس على حسابهم ومن مستقبلهم؟ دول كثيرة ‏ومن ضمنها دولتنا لا تملك فائضًا لتوفر هذا من الخزينة، بل على العكس تملك دينًا يوازي الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من نصفه ‏ديون داخلية، وفوائد هذه القروض تبلغ من 10-13% من الميزانية السنوية. فما الحل؟

الحل بضرائب مباشرة على الأموال والأصول السائلة لكل من يتجاوز مجموع ما يملكه حدًا معينًا، ويقدر هذا الحد بحسب تقدير ‏الأخصائيين للكلف المتوقعة. الحل بضرائب على البنوك بأثر رجعي، الحل بتأميم -وإن مرحلي- لمنشآت كل من لا يتعاون من ‏قطاع صحي أو مصرفي أو تمويني. أما ما رأيناه في بداية الأزمة من تبرعات لأجل الوطن فهذا لا يجدي حقًا مع هذه الأزمة، فهناك ‏جانب آخر للقصة إن طال أمدها، والآن لا تجدي حقائب سفر الطبقات العليا الجاهزة على الدوام للهرب إلى أوربا وأميركا كلما حلت ‏كارثة في الدول الفقيرة، فالجميع تحت لهيب السياط.‏‏

لن يأمن أحد على نفسه إن طالت الأزمة وجاعت الناس، “إن‎ ‎لم‎ ‎يتوفر الخبز للفقراء فلن‎ ‎ينعم الأغنياء بالأمن” أليس هذا ما كتبه ‏التشيليون بشكل صريح وواضح في محطات المترو في بلدهم؟ أما في دولة لا تمتلك محطات مترو ستراه على بنية تحتية متهالكة أو ‏على أي مشروع لم يكتمل بعد. الأمر ليس حملة تطوعية لطلاب جامعة كما ظهر في الأيام السابقة، الأمر سيكون أن ترد رضىً أو ‏غصبًا جزءًا من الثروة التي راكمتها بجهد وقوة عمل أبناء المجتمع، فطبقة رجال الأعمال سواء ورثة عصر الإقطاع أو الذين ‏استفادوا من طفرات اقتصادية في ظروف معينة في المنطقة لم يكن لهم أن يراكموا كل هذه الثروات لولا قوة العمل الرخيصة، ولولا ‏قوانين الضريبة المجحفة التي لا يدفعون بموجبها إلا أقل القليل.

من سيدفع الحاجات الأساسية لعمال المياومة، ولانقطاع رواتب القطاع الخاص، إن طالت الأزمة؟ ومن سيدفع الكلف اللاحقة للأزمة ‏بعد مرورها بأضرار اقتصادية هائلة؛ فلربما يكفي الناس تأمين حاجاتهم الغذائية وقت الأزمة، لكنهم بعدها سيبغون العودة لحياتهم ‏الطبيعية، هل سيترك كلٌّ للأضرار التي يصعب تجاوزها بغير نظام تكافل اجتماعي إلزامي أم سنعمل بالقاعدة الفقهية والقانونية “الغنم بالغرم” بمعناها الواسع جدًا؟ وهو هنا أن من غَنم من هذه الدولة ومن هذا المجتمع على مدى عقود وراكم ما يزيد عن حاجته ‏فهذا وقت أن يغرم بقدر ما غنم، فلن تجد ما تُغرمه لمواطن دخله خمسمائة دينار لدعم القطاع الصحي أو تجاوز مرحلة ما بعد ‏الأزمة، ولكن هناك من يمتلك ما يفوق حاجته ويجب أن يتم تغريمه طوعًا أو كرهًا على يد الدولة، أو سيتم تغريمه كرهًا على شكل فوضى ‏وهو أسوأ الاحتمالات الواردة، ففي الأوضاع الصعبة وساعة صراع البقاء تجد الجميع يراكم الغذاء والسلاح وهذا الثاني له معناه ‏ودلالاته‎.‌‏ ضمن هذا المنطق، على كل الشركات أن تدفع رواتب موظفيها عملوا أم لم يعملوا لتجاوز الأزمة -طالت أم قصرت- ‏وعلى كل أصحاب رؤوس الأموال أن يدفعوا تمويل رواتب شهرية تقدم من الحكومة لأصحاب العمل اليومي وصغار الكسبة، وهم ‏مئات الآلاف في مجتمعنا أردنيين وغير أردنيين.

‏شكل النظام السياسي والاجتماعي وحصاد السنين

كل دعوات الالتزام بتعليمات الدولة وقراراتها الآن هو التزام بقرار الاختصاصيين في مجال الصحة ومكافحة الأوبئة، وهو انحياز ‏للدولة بمعناها الاجتماعي وليس بمعناها الشمولي التسلطي، ولا بدولة السوق الحر حيث يسود منطق واحد هو: فليتدبر كل إنسان نفسه ولينهش ‏العالم بعضه. سنرى في الأيام القادمة ذات الانحياز مع كل قرار يعبر عن تولي الدولة لمسؤوليتها الاجتماعية، فكل قرار سيضمن ‏تأمين حاجات الجميع، وكل قرار لا يترك الناس لينجو من ينجو ويهلك من يهلك، سيكون محل دعم وتأييد وإن صدر غير ذلك فسنرى ‏غير ذلك طبعًا.

رغم هذا كله، علينا التذكر جيدًا أننا وإن كنا نعترف بأنه ربما لا نملك أن نفعل أفضل مما تفعله الدولة حالياً -مع بعض الهفوات- إلا أننا يجب أن نؤكد أنه لو كانت الأمور تدار بشكل أفضل على مدى العقود الماضية لكان المتوفر لمواجهة ‏الأزمة أفضل بكثير، فمهما صدرت قرارات عقلانية وشجاعة الآن فإنها لا تستطيع أن تتجاوز القدرات الفعلية لما تم بناؤه عبر ‏السنوات الماضية.‏‏

وهنا أيضًا بإمكانك أن تنظر لما كان يتم التعامل معه بسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، بدءًا من التعليقات الساخرة على من يظن ‏الواسطة من بابا ستحل المشكلة، مرورًا بمراهقي الطبقات المترفة الذين يتذمرون من وضع يبدو رفاهية لكثيرين من أبناء الوطن، ‏يترافق ذلك مع نبرة تعالي سمجة نعرفها جيدًا. هذا ليس غريبًا على أي حال، فمن يظن أن التعامل مع إجراءات الحجر سيكون ‏بواسطة بابا أو فلان هو وإن أخطأ إلا أنه فعل ما كان يفعله دائمًا، فقد ترعرع في شكل دولة ونظام سياسي اجتماعي يستطيع فيه من ‏يمتلك شبكة علاقات أن ينجو دائمًا من كثير من المصائب، فلماذا يكون الوضع الحالي استثناءً بالنسبة له! ولا يتعلق هذا بشكل ‏المجتمع وحده بل بشكل الدولة، أي أنك في دولة تسمح لك أن ترفع الهاتف لتحل قضية بشكل غير مؤسسي وبعيدًا الإجراءات القانونية ‏المتبعة؛ لا يمكنك أن تتخلص من ذلك بوعظ على مواقع التواصل وعبر الضخ الإعلامي لمدة لا تتجاوز في أفضل أحوالها مدة أسبوعين.

وحتى نقد تهافت الناس على الشراء هو وإن كان بلا شك خاطئ وفي غير محله، لكنه تصرف غريزي نتيجة عدم ثقة ‏الناس بأن هناك من سيوفر لهم كل ما يحتاجونه في هذه الأزمة لاحقًا، هذا من جانب، ومن جانب آخر هو أن الإنسان هنا هو ابن الرأسمالية ‏الاستهلاكية في دولة لا إنتاجية، وهو ابن ثقافة “سأشتري الشيء الآن ثم أفكر بعد يومين إن كنت أحتاجه حقًا”. هذا فكر تحفزه ‏الرأسمالية وتغرزه غرزًا في كل إنسان عبر أدوات هيمنتها الإعلامية والتعليمية والثقافية والفنية، بل وتعتبر كل من لا يلتزم بهذه ‏الثقافة الاستهلاكية شاذًا، وساذج من يظن أن وعظًا وسخرية من نموذج فرض عبر عقود وشوه وعي الإنسان سيتغير بظرف أيام.‏‏

لقاح/علاج رأسمالي أو وطني‏

فلنسال السؤال التالي، ماذا لو أن الفايروس ظهر في أفريقيا وانحصر فيها، ما الذي سيحدث؟ غالبًا سيحدث ما يجري حاليًا مع الملاريا ‏والتيفؤيد والكوليرا؛ تترك لتموت مثلما تترك لتموت جوعاً أو عطشاً في عالم يدفع فيه الملايين مليارات ليتخلصوا من سمنتهم ‏المفرطة. هل الدواء/اللقاح سيكون وطنيًا ورأسماليًا؟ بمعنى لو أنتجت الدواء الدولة س فهل سيحق لها احتكاره لمواطنيها ومراكمته لهم؟ أو ‏احتكاره رأسماليًا لمن يدفع أعلى سعر للعبوة؟ أو على الأقل هل ستكون أولوية تحصيل العلاج للدول القوية ثم ما يفيض ‏سيصرف لباقي العالم؟

سؤال الديموقراطية

سيعود إلى الواجهة اليوم سؤال الديمقراطية‏، وأقصد تحديدًا ديمقراطية الاقتراع، ديمقراطية الصناديق، أو بمعنى أدق الصندوقراطية، ‏فالديمقراطية لم تحظ بنفس المفهوم الغربي الرأسمالي الحالي على مدى العصور. سيهاجم البعض الديمقراطية وقدرتها وقدرة القادة ‏التي أفرزتهم على مواجهة الأزمة. سيدافع البعض عن ذلك، ويستغل البعض الحالة جهلًا أو قصدًا للدفاع عن الديكتاتورية والحكم ‏الشمولي العسكري أو الأحزاب اليمينية الفاشية أو حتى الأحزاب الوطنية شبه الرأسمالية بقناع اشتراكي. لكن السؤال الجدير ‏بالطرح هو سؤال آخر: ما مدى تمثيل من يحكم لعموم المحكومين، هل يمثلهم طبقيًا وهو ابن طبقاتهم الشعبية؟ هل يمثل ‏مصالحهم أم مصالح حلف طبقي حاكم لا يشكل بأوسع حالاته أكثر من 5% من مجموع السكان؟ هل يمثل تطلعاتهم لوطنهم أم أنه ‏مرتهن لخطة أكبر تفرضها دولة عظمى هنا أو هناك؟ هذا هو السؤال الآن في بقاع العالم، هل من يحكمنا نشترك معه في المصالح والطبقة ‏أم أنه ابن مصالح أخرى.

‏المناخ

لا أفهم بأي معنى ينظر بعض من يقطنون الدول التي درجت تسميتها دول العالم الثالث، وغير الصناعية منها تحديدًا، بأن مشكلة ‏المناخ هي مشكلة رفاه لدول العالم الأول. صحيح أن مشكلة المناخ تنتجها الدول الصناعية الكبرى، لكن آثارها ستكون مدمرة على ‏الجميع، وجزء من هذا الجميع يملك فوائض رأسمالية لنظام صحي أقوى، وفوائض لمواجهة الكوارث المحتملة للتغير ‏المناخي في بلده، وغالبًا هو من تسبب بهذه الحالة. هناك، من ناحية أخرى، جزء آخ -كثير- هو غالبًا بلدان غير صناعية فقيرة لن تستطيع مواجهة أي ‏تغير مناخي محتمل؛ سواء بغرق المدن الساحلية، أو تأثير التغييرات المناخية على استيعابية البنية التحتية، وحتى المشاكل الصحية التي ‏تؤثر على الأفراد.‏‏

في هذه الأزمة هناك قراءات سريعة تشير إلى تحسن مناخي طفيف انعكس على الأرض والجو والبحر، نتيجة الإغلاقات الجبرية ‏للمصانع. هنا يأتي السؤال التالي: هل التلوث حتمي ناتج عن أننا نصنع ما يكفي السبع مليارات ونصف إنسان على الأرض، أم أننا نصنع ‏فائضًا للتنافس في السوق الرأسمالي؟ هل يمكننا أن نصنع بطريقة أنظف؟ بالطبع، لكن هذا سيرفع الكلفة، مما يجعل التنافس غير ‏متكافئ ما لم يكن هناك قانون على مستوى أممي يلزم الجميع بظروف تصنيع معينة، ويجبره على التصنيع حسب حاجات الإنسان لا حسب ‏قواعد السوق الرأسمالي.

خاتمة

في النهاية، وبغض النظر عن أن الفايروس تخلق بشكل طبيعي لدى كائن حي وانتقل بطفرة للإنسان أو أنه مصنع لغاية ما قصدًا أو ‏خطأً، وبغض النظر عن أنه سيغادرنا بلقاح وعلاج أو عبر تدمر ذاتي أو حتى بعد أن تدفع البشرية ملايين الوفيات، هناك تغير يجب أن ‏يحدث في العالم، فما نعيشه اليوم هو ثمرة الرأسمالية المتهالكة ولم يبقَ حلول “فإما الاشتراكية أو الهمجية”.‏

عن عدالة وتحرر

نحو عدالة اجتماعية وتحرر وطني

شاهد أيضاً

عن الزراعة في الأردن: تاريخها القريب وواقعها الحالي

– لوحة الفنانة إسراء صمادي منذ حكم الدولة العثمانية وحتى يومنا هذا لم يتطور قطاع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *